الجمعة - 14 يونيو 2024

هل الدراسة العلمية في المادة الحية أمر متعذر ومستحيل

مقالة البيولوجيا “هل الدراسة العلمية في المادة الحية أمر متعذر ومستحيل”

المقدمة :

يعود الفضل الكبير في النجاح الذي حققه الباحثون في مجال المادة الجامدة و ما وصلوا إليه من دقة و موضوعية في أبحاثهم إلى استخدامها للمنهج التجريبي وقد أغرى هذا التطور الخلاق التي عرفته العلوم التجريبية الباحثين في ميدان المادة الحية ” البيولوجيا ” إلى تطبيق هذا المنهج على أبحاثهم بغية اللحاق بركب العلوم التجريبية وبلوغ مراتبها و تحقيق نجاح مماثل لنجاحها . إلا أن المادة الحية تختلف في خصائصها عن المادة الحية وهو الأمر الذي أثار جدلا ونقاشا بين الفلاسفة والمفكرين، فمنهم من يعتبر ” أن المادة الحية لها خصائص جد معقدة تحول دون تطبيق المنهج التجريبي عليها ” ومنهم من اعتبر أن ” خصائص المادة الحية لا تشكل عائقا أمام دراستها دراسة علمية تجريبية “ بناءا على هذا الاختلاف و الجدال الواقع بينهم فإن الإشكال الذي يمكن طرحه هو : هل الدراسة العلمية في المادة الحية أمر متعذر ومستحيل ؟ أم يمكن تجاوز هذه العوائق و إخضاع الظاهرة الحية للتجريب ؟

هل الدراسة العلمية في المادة الحية أمر متعذر ومستحيل
هل الدراسة العلمية في المادة الحية أمر متعذر ومستحيل

عرض منطق الأطروحة :

” لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحية “ إن الدراسة العلمية في المادة الحية أمر متعذر و مستحيل، بحيث أن المادة الحية ممثلة في الإنسان والحيوان والنبات تتميز بخصائص معقدة تختلف كثيرا عن المادة الجامدة ،لذا اصطدم العلماء في تطبيقها للمنهج التجريبي بعوائق شتى الطبيعة الموضوع ،وتصنيف الحوادث وتعميم النتائج ،وصعوبة التجريب.، وقد تبنى هذا الموقف مجموعة الفلاسفة و المفكرين ومن بينهم ، كوفي ، وكانت دولوي و بعض أنصار النزعة الأخلاقية وبرروا موقفهم بالحجج التالية ان المادة الحية لا تقبل الدراسة العلمية التجريبية لوجود جملة من العوائق تتمثل في طبيعة الموضوع المدروس في البيولوجيا تدرس الكائن الحي ” الإنسان ،الحيوان ، النبات ” و هذا الكائن يتميز بالوحدة العضوية ،إذ كل جزء فيها تابع للكل أجزاء الكائن الحي مرتبطة ببعضها وتؤلف وحدة غير قابلة للانقسام و كل محاولة لاستئصال العضو من العضوية يؤدي إلى موته و بالتالي تتغير طبيعته ،عكس المادة الجامدة التي لا تشكل أية وحدة متماسكة،إذ يمكن تفكيكها إلى أجزاء متناهية دون أن تفقد هذه المادة طبيعتها،،يقول كوفي:”إن سائر أجسام الجسم مرتبطة فيما بينها،فهي لا تستطيع الحركة إلا بقدر ما تتحرك كلها،والرغبة في فصل جزء عن الكتلة معناه نقله إلى نظام الذوات الميتة،أي تبديل ماهيته تبديلا تاما.” كما يقوم الكائن الحي بجملة من الوظائف الحيوية التي لا نجدها في عالم الجمادات التغذية ، التنفس و التكاثر في الكائن الحي يولد وينمو ويهرم و يموت و يتحرك و يتغير عكس الجمادات التي تتميز بالثبات و السكون مما يجعل إمكانية التنبؤ به مستحيلة يقول بيشا ” إن الحياة هي جملة الوظائف التي تقاوم الموت ” و كذا صعوبة التجريب و التعميم فطبيعة الكائن الحي تجعل إمكانية التجريب عليه أمرا مستعصيا لأن المادة الحية تشكل كلا متماسكا يصعب عزل أحد أعضاءه وإدخاله إلى المخبر لأنه يؤدي إلى هلاكه يقول في هذا كوفي ” إن محاولة بتر أي عضو من الجسم هي موت الجسم ” كما أن إدخال الكائن الحي إلى المخبر يؤدي إلى اضطرابه و بالتالي يحدث تشويشا في التجربة و تكون نتائجها غير دقيقة في الكائن الحي لا يكون في حالته الطبيعية إلا في محيطه الأصلي يقول في هذا لوكانت دولوي:”لا يستطيع العالم الذي حلّل المادة الحية أن يركبها بجميع عناصرها المشوشة التي قسمتها عقاقير الكيمياء” كما أن الغاية من تطبيق المنهج التجريبي هو تعميم النتيجة المتوصل إليها لتشمل كل أفراد الجنس الواحد و هذا أمر غير ممكن في مجال المادة الحية لأن كل كائن حي فريد من نوعه و له مميزات خاصة به ، فما يصدق على فأر المختبر لا يصدق على بقية الفئران في وسطها الطبيعي إضافة إلى صعوبة تصنيف الحوادث في ظواهر المادة الحية ليست سهلة التصنيف كما هو الشأن في ظواهر المادة الجامدة التي يتيسر فيها التمييز بين ما هو فيزيائي وما هو كيميائي وما هو فلكي،لكن هذا متعذر في المادة الحية،إذ كل كائن ينطوي على خصوصيات ينفرد بها عن غيره،وكل محاولة للتصنيف تقضي على فردية الكائن الحي، . ، وقد أثبتت التجربة التي قام بها البيولوجي أغاسي على الصدفيات البحرية إستحالة التصنيف في المادة الحية حيث من مجموع 27000 نسخة من الصدف الواحد لم يقف على صدفين متماثلين وفي هذا الشأن يقول لايبنتز ،”لا يوجد فردان متشابهان كما نجد بعض الأديان تحرم عملية تشريح الجثث لأن الإنسان ذات مقدسة وله كرامة لا يعبث بها تحت أي مبرر، فمسألة الاستنساخ مثلا أثارت معارضة شديدة من قبل علماء الدين والسياسة والأخلاق ،ونجد بعض الاتجاهات السياسية والأخلاقية تدعو إلى توقيف التجارب على بعض الحيوانات رفقا بها ودفاعا عنها، و منه نستنتج أنه لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحية

نـقـد و مناقشة :

نقر بوجود هذه العوائق التي أخرت العلماء في الوصول إلى قوانين ،و عرقلت إلى حد ما تقدم هذا العلم ،لكن العلماء لم يقفوا مكتوفي الأيدي ،بل تحدوها وقدموا بدائل رائعة في التجريب بما يوافق طبيعة المادة الحية ،وما هو مشاهد في عصرنا أن البيولوجيا بلغت مبلغا كبيرا من التقدم بسبب التطور الحاصل في حياتنا والمتمثل في وجود آلات جد متطورة مكنت الإنسان من جعل ما كان مستحيلا يمكن زراعة الأعضاء مثلا 

عرض نقيض الأطروحة:

” يمكن تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحية “ إن الدراسة العلمية في البيولوجيا أمر ممكن حيث تمكن العلماء من تجاوز كل العوائق و نجحوا استخدام المنهج التجريبي في المادة الحية ويتجلى نجاح لذلك من خلال التقدم و التالق المستمر في علم البيولوجيا وقد تبنى هذا الموقف كل من كلود برنار ،باستور و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج و البراهين الآتية ان المادة الحية لا تختلف عن المادة الجامدة في الجسم الحي مثل الجسم الجامد، لأن كلاهما يتكون من نفس العناصر الكيميائية حيث أننا نجد في تحليل الجسم الحي الأوكسجين، الكربون ،  الهيدروجين .الفوسفور ،   ،الكالسيوم ،الحديد والأملاح المعدنية وغيرها من المواد الكيميائية يقول في هذا الشأن هايزنبرغ :”إن التفاعلات الموجودة في الطبيعة ما هي إلا تلك التفاعلات التي تحدث على مستوى الجسم.” كما أن التطور العلمي، والتكنولوجي على مستوى وسائل الملاحظة و التجربة (كجهاز الراديو، المجهر الإلكتروني ،الايكوغرافي ، الليزر … إلخ)و كذا تطور الكيمياء الحيوية مكّن العلماء من إجراء عدة تجارب حيث أصبح من الممكن التجريب على بعض الأعضاء دون إبطال وظائفها ،ووضعها في بعض المحاليل الكيميائية ووسط صناعي ملائم ،وأصبح بالإمكان ملاحظة عمل الكائن الحي مفصولا عن الجسم دون أن يؤثر ذلك سلبا على الوحدة العضوية للكائن الحي. أما العقبات الأخلاقية و الإجتماعية فقد أصبحت أكثر تفهما و من الأثار الإيجابية التي تثبت نجاح تطبيق المنهج التجريبي على الظاهرة الحية هو التطور الكبير الذي حققته مختلف فروع البيولوجيا كالطب حيث نشهد اليوم عمليات جراحية ناجحة في زراعة الأعضاء، وكذا تركيب الأعضاء الاصطناعية،ولعل الاستنساخ يعبر عن أقصى ما بلغه الإنسان في نجاحه التجريبي في المادة الحية وتبعا لذلك يصرح البروفيسور كنيدي من مجموعة الهندسة البيولوجية الأمريكية : “أنه خلال عام 1984 أصبحت عمليات استبدال الأنسجة، والأعضاء المعطوبة عملية عادية، وشائعة” .كما إستطاع العلماء الكشف عن أسباب و أسرار العديد من الأمراض و التحكم فيها كالسكري، الضغط الدموي والتحكم في السرطان في بدايته.إلى جانب النجاح الذي حققه العلماء في علم الوراثة الذي مكن من تصحيح العديد من الأخطاء الوراثيّة و التحكم في الكائن الحي و تركيبته و يعود الفضل الكبير في تطور البيولوجيا إلى كلود برنار الذي اجتهد من أجل إخراج العلوم البيولوجية من أزمتها الى مجال الإزدهار والتقدم معتبرا ان المادة الحية يمكن دراستها تجريبيا شرط الحفاظ على خصوصيتها إذ يقول كلود بيرنار: :” على البيولوجيا أن تعتمد على منهج العلوم الفيزيائية مع الاحتفاظ بشروط المادة الحية و قوانينها”، وقد أثبت أن المادة الحية تخضع لمبدأ الحتمية والإطراد وكل شروط و قوانين المنهج التجريبي و ذلك من خلال تجربته الشهيرة على الأرانب، حيث لاحظ وجود تغيّرعلى بول الأرانب ثم افترض سبب هذا التغيّر و قام بعدها بتطبيق التجربة عليه وبعد تكرار التجربة عدة مرّات و على عدة حيوانات و صل إلى قانون عام هو “جميع الحيوانات آكلة العشب تخضع لحتمية أنه : إذا أخضعت للتجويع فإنها تتغذى من البروتين المدخر في جسمها”.يقول كلود برنارد “يمكننا في ظواهر الأجسام الحية على غرار ما يمكننا في ظواهر الأجسام الجامدة من معرفة الشروط التي تدبر أمر الظواهر “ و كذا تجارب “باستور” الذي صحح فكرة النشوء العفوي للجراثيم ، وأثبت أن منشؤها الهواء المحمّل بالبكتيريا ، وبفضل طريقتي التلازم في الحضور، و التلازم في الغياب استطاع أن يحارب مرض الجمرة الخبيثة الذي كان يصيب الشياه، حيث أخذ مجموعتين ونقل المرض إلى إحداهما وطعم الأخرى بلقاح مضاد مكّنها من مقاومة المرض في حين هلكت الأخرى، فطوّر بذلك فكرة التطعيم وهي طريقة فعّالة في الوقاية من الأمراض وعلاجها

نـقـد و مناقشة :

حقيقة أن البيولوجيا قد حققت تقدما هائلا بفضل تخطي العلماء للكثير من العوائق،لكن اعتبار الكائن الحي مجرد آلة ميكانيكية شبيهة بالمادة الجامدة أمر مبالغ فيه،بالعضوية قد تدخل عليها تغييرات تجعل من الصعب تفسيرها آليا،كما أنه لا زالت لحد الساعة قضايا مستعصية على العلماء في دراستهم للمادة الحية .

التركيب :

يمكن التسليم بوجود العوائق التي منعت العلماء من إدراك واستخلاص كل القوانين العلمية في دراستهم للمادة الحية،لكن هذا لا يعني أن البيولوجيا ليست علما، فبفضل تطور العلم وتطور وسائل الملاحظة و التدريب ساهم في تطوير البيولوجيا وفي تجاوز الصعوبات فأصبح بإمكان إجراء تجارب على بعض الأعضاء دون الإخلال بوظائفها وتطور ذلك إلى زرع الأعضاء . كما أدى التطور إلى ظهور التخصص فظهر علم وظائف الأعضاء وعلم التشريح و الباتولوجيا و التطور في علم الوراثة وعلم الأجنة فتمت دراسة الأحياء بمراعاة خصائصها و مراعاة علاقة الوظائف الحية تكويناتها الفيزيائية الكيميائية، إذ واقعنا المعاصر يثبت أن البيولوجيا استطاعت أن تنافس العلوم الفيزيائية مثلا في دقتها وموضوعيتها. يقول كلود برنارد ” لابد من علم البيولوجيا أن يأخذ من الفيزياء و الكيمياء من المنهج التجريبي مع الاحتفاظ بحوادثه الخاصة و قوانينه الخاصة

حل المشكلة :

وبعد التحليل نستنتج أن المنهج التجريبي قد برهن أنه المقياس المثالي لكل باحث يريد أن يكون علما موضوعيا ، وهو ما سمح لبعض العلوم كالمادة الحية ان تستخدمه بنوع من التكييف بما يلائم موضوعاتها ، وبفضله أصبحت البيولوجيا علما بلغ مبلغا كبيرا من التقدم بفضل الاكتشافات والإنجازات الباهرة التي يوافينا بها العلماء في حياتنا اليومية ،حتى غذت الكثير من الأمراض التي كانت مستعصية فيما مضى مجرد لعبة مشكلات بسيطة تجاوزها العلماء، وظهرت نتائج رائعة حول الظواهر الحية، أدركت ذروتها خاصة في مجال الاستنساخ و زرع ونقل الأعضاء يقول كلود برنارد : “إن التجريب هو الوسيلة الوحيدة التي نمتلكها لنتطلع على طبيعة الأشياء التي هي خارجة عنا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *