الجمعة - 13 ديسمبر 2019
الرئيسية / الثالثة ثانوي / هل يجب أن يكون الجزاء قصاص من مجرم أم تربية و إصلاح له

هل يجب أن يكون الجزاء قصاص من مجرم أم تربية و إصلاح له

المسؤولية و الجزاء

الســـؤال :   * هل يجب أن يكون الجزاء قصاص من مجرم أم تربية و إصلاح له؟ 

  * هل إنزال العقاب الصارم على المجرم يقضي على الجريمة في المجتمع؟   

                  المقدمـــــــــة :

يشعر الإنسان في الكثير من المواقف التي يقوم بها بإحساسات مختلفة من خلالها يقدم على السلوكات غير مشروطة , أو يرفض أفعال يكون قد قام بها رغم أنها مبنية على اختياره بتنفيذها بهذا الرفض إلا أّنها تحت تأثير عوامل تكون قد اقتحمته للتذكير بهذه المواقف , رغم أنها وليدة أفكاره وبهذا يكون أمام المسؤولية التي يقتضي تحمل الإنسان لتبعية أفعاله المخالفة للقانون عن طريق الجزاء و العقاب , وهذا الأخير شكل محور اختلاف بين الفلاسفة و المفكرين وعلماء التربية و الاجتماع من حيث أساسه والغاية منه ، حيث اعتقد البعض بأن الهدف من الجزاء يتوافق مع تقويم سلوك المجرم وإصلاحه عن طريق إعادة التربية و العلاج النفسي ، وحيث اعتقد آخرون أن غاية الجزاء تتمثل في تحقيق العدالة بالقصاص عن طريق عمل المجرم للمعاناة بمقابل ما اقترفه من ذنب ، وبهذا يطرح الإشكال حول طبيعة الجزاء. هل أن الجزاء في المسؤولية يجب أن يكون في صورة قصاص وعقاب المجرم أم تربية و إصلاح له؟ وبعبارة أخرى هل القضاء على الجريمة يستلزم إنزال العقاب الصارم على المجرم بإصلاحه و تذهيب سلوكه؟

القضية رقم 01 : يذهب أنصار النظرية العقلية المثالية بالنظرة المطلقة للعدالة إلى القول بضرورة إنزال العقاب الصارم بصورة قصاص على المجرم، وتعد امثل وسيلة للقضاء على الجريمة وردع سلوك المجرم،حيث يكون عبرة لغيره مادام الفاعل مكلف ومسؤول أمام إرادته ووعيه، ونجد من أنصار هذا الموقف كانط والمعتزلة وأفلاطون و غيرهم من العلماء و المفكرين و الفلاسفة الذين اعتبروا أن للإنسان مسؤولية مطلقة مادام يمتلك الوعي والإرادة، فبإمكانه أن يفعل أو أن لا يفعل و بهذا يستوجب إنزال العقاب الصارم بالقصاص عليه . ← {أنظر الكتاب المدرسي تشكيل هذه القضية}

نقد :  إن النظرية العقلية رغم تشريعها لمبدأ القصاص من أجل القضاء على الجريمة هو مشروع وليس ظلما، تكون قد أسست مسؤولية الفاعل على حريته المطلقة، و جعلت الجزاء غاية روحية في ذاته بينما في الأصل أن حرية الإنسان نسبية لا مطلقة، و تخضع لجملة من الحتميات و الأحوال كما أن نفس الأشخاص لا يتميزون بنفس المستوى الذهبي هذا من ناحية، أما من ناحية، أخرى فقد اهتم أصحاب هذا الاتجاه بالفعل و نتائجه مهملين  بذلك الفاعل وظروفه، لأن ظروف المجتمع ونشأته التربوية والسلوكية لها جزء خاص من المسؤولية مادام الفاعل يولد صفحة بيضاء لذا فالقصاص منه قد يرتقي إلى درجة الظلم .

القضية رقم 02 :   يذهب أنصار النظرية الوضعية التي تمثلها كل من الامبروزو وفيري و فرويد أن الإنسان يخضع لعدة حتميات إذ أن تصرفاته لا تنشأ عن إرادته الخاصة, فبذالك فهو غير مسؤول عنها ولا يجوز عقابه بل ينبغي النظر دائما إلى أسباب العمل الإجرامي, ولهذا يجب مراعاة ظروفه  وأحواله الاجتماعية التي أدت إلى ارتكاب هذا الفعل {الجريمة}, حيث يرى لامبروزو أن بعض الناس يحملون استعدادات فطرية وراثية للقيام بالجريمة دون أن يكون لهم اختيار في ذلك، فالسلوك الإجرامي يخضع لعامل الوراثة، و معنى هذا أن سبب المسؤولية هو الاستعداد الطبيعي للإجرام، إذ من شأن هذا الأخير أن يدفع الإنسان إلى ارتكاب السوء و الانقياد له, فالمجرم يسير سلوكه بمقتضى حتمية فطرية لا يمكنه الانفلات منها، ولقد توصلت مدرسة الايطالي لامبروزو من خلال دراستها للسلوك الإجرامي لدى الإنسان إلى تقسيم المجرمين إلى عدة أصناف مجرمون بالوراثة و مجرمون مجانين ومجرمون بالعادة ومجرمون بالمصادفة، و بهذا تكون العقوبة للمجرم تابعة في شدتها وقسوتها اعتبارا من الوضع العام للمجرم هذا دون إهمال خطورة الجريمة على المجتمع فالاستئصال مثلا للمجرمين بالوراثة والمجرمين المجانين تكون العقوبة عاملا وأداة إصلاح للمجرم لا انتقاما منه.

أما عن الدوافع الاجتماعية المتمثلة أساسا فيما دعا إليه العالم الإيطالي فيري الذي يرى أن الظروف الاجتماعية هي السبب الوحيد في صنع السلوك الإجرامي، ويقول في هذا الصدد «إن الجريمة ثمرة حتمية ظروف اجتماعية و تربوية خاصة فالفقر الشديد و الثروة المفرطة كليهما يبعث على ارتكاب الجرائم» . ففعل السرقة ينبع عن الفقر الاجتماعي كما أن شراهة الأغنياء تفتح جوفها فتذوب أمامها كل القيم فتفرز تجاوزات لها أبعاد خطيرة ، وعلى هذا يرى فيري بأن العقاب لابد أن يكون بتحري الدوافع الباعثة إلى السلوك الإجرامي، وبذلك يضع فيري وسائل العقاب الناجعة والتي تكفل للإنسان إنسانيته، إذ لابد من إصلاح الأوضاع المحيطة بالمجرم وتهيئة الظروف التي تقضي إلى دعم تكرار الجريمة في المجتمع، وهذا لا يأتي إلا من خلال فهم السلوك الإجرامي لدى المجرم، ومما زاد في تدعيم هذه الآراء وازدهارها التحليل النفسي لدى فرويد الذي حذا هو الآخر وفي نفس السياق بضرورة الأخذ بعين الاعتبار حالات المجرم ويحصر فرويد نسب المسؤولية في الدوافع اللاشعورية فهو ينظر إلى الإجرام بأنه وليد العقد النفسية والاضطرابات السلوكية كالكبت والإحباط والقهر، فينفلت من صاحبه في شكل انحرافات أو سلوكات عدائية للمجتمع، وبناء على ذلك لا يعد الإنسان مسؤولا عن أفعال تغيب فيها سلطة الوعي، لهذا ليس من حقنا إنزال العقاب الصارم على المجرم بل يجب علينا التخفيف من حدة هذه الأمراض النفسية عن طريق إيداعه المصحات النفسية وعلاجه حتى نعيد إدماجه في المجتمع، فكل هذه المواقف تجمع على أن القصاص والعقاب يكون مبدأ التربية والإصلاح للمجرم والجريمة حتى لا يصبح المجرم ضحية في المجتمع.

النقد :  نحن لا نذكر ما للعوامل الاجتماعية من أثر في تحديد وتوجيه السلوك الإنساني عامة والإجرامي خاصة، غير أن هذا يجعلنا نسلم بذلك تسليما مطلقا لأننا نتجاهل دور الإنسان كإرادته الحرة ككائن عاقل،فالفاعل يبقى رغم كل الدوافع خاضع لإرادة الإنسان بالدرجة الأولى، وفيما يخص الاستعداد الفطري للإجرام فقد أثبت العلم خطأ هذه النظرية كما أن هذا التطور يضرب صفحا هاما عن المسؤولية الأخلاقية، أما المدرسة الاجتماعية التي بالغت في إرجاع السلوك الإجرامي للمجتمع لا يفسر محدودية الإجرام على بعض أفراد المجتمع بل قد يكون الفقر دافعا للالتزام بالمبادئ الأخلاقية السامية، فبعض المجتمعات تعاني الفقر ولكنها تتمثل بأسمى معاني الفضيلة، وأما أسباب إرجاع الجريمة إلى عوامل نفسية أمر لا يؤكده الواقع ذلك أنها قد تكون ملاذا نبرز به المجرمون إجرامهم، و هذا ما يضاعف عدد المجرمين ويهدد المجتمع.

يبدو أن لا يمكننا أن نفصل بين المسؤولية و العقاب وذلك أنهما مفهومان متلازمان.

التركيب :  فإذا كان دعاة النزعة العقلية التقليدية قد أصرفوا في الاهتمام بالجريمة دون مراعاة ظروف المجرم، فإن أنصار المدرسة الوضعية قد غالوا في التقليل من قيمة المسؤولية الأخلاقية ودور الإدارة في تحديد السلوك.

إن هذا الجدال يوحي بصعوبة التوفيق بين الاتجاه الفلسفي الذي يقول بالإدارة و العقل والأسباب الغائبة والاتجاه العلمي الوضعي الذي يقول بالظروف والأسباب الفاعلة، وللإنصاف لابد من الاعتراف بأن لكل هذه العوامل حضورها في توجيه السلوك، فالمسؤولية ترجع بالدرجة الأولى إلى الإنسان كإرادة حرة ولكن للبيئة و التربية مفعولهما في تحديد السلوك، فلا بدا إذ أن يراعى في تطبيق العقاب مقدار ضغط الظروف والأسباب ومقدار إرادة الإنسان حتى لا يكون العقاب ظلما وانتقاما ولا تكون المسؤولية الميتافيزيقية عمياء كما كانت في الماضي.

الخامـــة :

لهذا يمكننا القول بأنه لا يخلو إنسان على وجه المعمورة من العيوب والمساوئ، كما لا تخلوا المجتمعات من مظاهر الانحرافات المختلفة ولقد أدرك العلم اليوم تقدما محسوسا في دراسة الجريمة وأسبابها وأمكن إلى حد كبير التحكم فيها، غير أنه أصبحت تحذو في تطبيقها للجزاء سبيل إصلاح المجرم عن طريق دراسة سلوكه، ومن ثم يتأتى لها إلى حد كبير كنح الجريمة والحد منها، وهذا بتطبيق القصاص على المجرم ومراعاة ظروفه في نفس الوقت وفي جميع الحالات أن يكون الجزاء معلق بتطبيق مشروعية القصاص حتى لا يكون المجرم ضحية معذبه لكل فرد صلاح في المجتمع.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.