مقالة حول قيمة المنطق الصوري

مقالة حول قيمة المنطق الصوري

             نص السؤال:هل يمكن للمنطق الصوري أن يكون منهجا للحقيقة واليقين؟

مقدمة : طرح مشكلة :  إن من طبيعة العقل البشري، تماسكه و احترازه من الوقوع في التناقض مع ذاته، لذلك فقد مارس الإنسان التفكير منذ وجوده، فكان له في كل زمان و مكان نسق معرفي استعمله لحل المشاكل المطروحة على فكره. ولقد كان نمط التفكير الأثيني في القرن الخامس قبل الميلاد مرتبطا بالمناخ الاجتماعي في ذلك الوقت ، فظهر الحوار و الحوار المضاد أو ما يسمى بالجدل. وهذا ما مهد لظهور المنهاج العقلي المنطقي عند “بارمنيدس” و كذا  “زينون الإيلي” ، ومن بعدهم السفسطائي “بروتاغوراس” الذي انتهج منهج التمويه والمغالطة بعكس جدل “سقراط” الباحث عن الحقيقة لذاتها .غير أن ذلك الجدل المنطقي الذي عرفته اليونان لم يكن بالشكل الذي يجعل منه علما حقيقيا ، أو طريقة منهجية في التفكير . ولم يكن كذلك إلا حين ارتبط بالمعلم الأول “أرسطو” الذي يعد – حسب “ويل ديورانت” – أول من وضع المنطق كعلم جديد ووضع له مجموع قواعده و مبادئه وقوانينه . وقد كان التماسك المنهجي الذي طبع منطق “أرسطو” عاملا في خضوع العقول له لقرون طويلة من الزمن ، معتقدة أنه أداة كل العلوم ، غير أن الزمن المعرفي المتغير أجبر العديد من المفكرين المحدثين و المعاصرين على الوقوف موقفا مضادا لذلك ، فحاولوا أن ينزعوا عن المنطق الأرسطي ما كان يتمتع به من مصداقية علمية. ومن هنا أصبح من المشروع أن نطرح المشكلة التالية : هل بقي للمنطق الأرسطي ما يبرر مشروعيته بعد ما تعرض له من انتقادات المفكرين والعلماء ؟

محاولة حل المشكلة :

الموقف الأول: (أنصار المنطق الصوري). يعتقد “أرسطو” وأتباعه من الفلاسفة اليونان وحتى المسيحيين والمسلمين، أن أكمل ما أنتجه العقل البشري هو المنطق الصوري الذي يعد تطابقا للفكر مع ذاته، وهو منهج _ بقواعده و مبادئه _ يشكل آلةً للعلوم، قادرةً على حماية الفكر البشري من التناقض. فأرسطو سمى منطقه بالتحليلات، وأراده بالدرجة الأولى أن يكون منهجًا علميًّا قادرا على إثبات إمكانية قيام علم برهاني لتحصيل معرفة يقينية، وفي هذا يقول:«المنطق آلة العلم و موضوعه الحقيقي»، أما شُرَّاحه فسموه بالمنطق واعتبروه مدخلا للحكمة ، وكذلك بالآلة التي تستدعي إليها الناظر.إن العقل البشري حسب “أرسطو” معرض بطبيعته للخطأ و السهو والنسيان، ولا بد له من قواعد تجنبه كل ذلك، حتى لا يبقى في حالة من الفوضى و عدم النظام، ولن يتم هذا إلا بالاستناد إلى مبادئ العقل الأرسطية . إذ أن العقل بحاجة إلى تدريب على استخدام قوانين العقل السليم بالالتجاء إلى بديهيات و مسلمات ، تكون كقاعدة مرجعية للإنطلاق ، لذلك قدم “أرسطو” منطقه كوسيلة لفحص و تصحيح الفكر .

ولقد وضع “أرسطو” عدة مبادئ عامة للعقل و أكد على أنها ضرورية لكي يكون التفكير سليما، وحاول اختصارها في مبادئ:( الهوية وعدم التناقض و الثالث المرفوع والسببية)، وهي مبادئ متناسقة فيما بينها، تعزز البناء العقلي المنطقي و تكون شرطا للحوار و التوافق بين العقول . لذلك راح “ليبنيتز” يقول: « مبادئ العقل هي روح الاستدلال وعصبه».ومادام أن جميع العلوم العقلية والمادية تحتاج إلى ضبط تصوراتها ومفاهيمها، على أساس أن الكثير من المسائل أصبحت موردا للمنازعات بسبب الإجمال في مفاهيم الألفاظ و عدم وضوحها، فقد قدم لنا “أرسطو” قواعد التعريف لضبط المصطلحات العلمية بفاعلية ووضوح و موضوعية، وبالتالي الإحاطة بماهيات الأشياء ، لبناء تعريفات جامعة مانعة . و من أجل تدعيم مبحث التعريف المنطقي، فقد دعم المفكر اليوناني “فورفوريوس” في القرن الثاني بعد الميلاد، رسائل أرسطو المنطقية الثمانية برسالة تاسعة ، سميت “إيساغوخي”، و جعلها مقدمة أو مدخلا للمنطق الأرسطي ، اشتملت على شرح للكليات الخمس الخاصة بالتعريف .أما مبحث الاستدلالات فهو يضمن اليقين المطلق للأحكام المنطقية، مادام أنها تستمد ذلك اليقين من انطباق النتائج مع المقدمات، فهي قضايا تحليلية توضح أن ما يسري على الكل يسري على أجزائه بشكل مطلق و غير خاضع لنسبية الزمان و المكان. وهذا الصدق هو الذي جعل من المنطق الأرسطي آلة فعالة في كشف أساليب المغالطة والتمويه السفسطائية . لأن السفسطائيين برعوا في المهاترة والخداع على حساب التفكير و الحجة الواضحة، وما ظهر المنطق إلا للرد عليهم ، يقول “أ.ألوس” في كتابه “المنطق”:«إن الحاجة إلى المنطق جاءت عند الإغريق القدماء من الحركة السفسطائية » .في سياق آخر فقد تميزت الفلسفة الإسلامية بخاصية أساسية تمثلت في كونها توفيقية بين العقل و النقل ، ومن هنا فقد كان وجه الدفاع عن المنطق الأرسطي في فكر “أبو حامد الغزالي” أنه سعى لإزالة التعارض الذي أقامه الفقهاء بين المنطق الأرسطي و الشريعة الإسلامية فراح يستعمل الأمثلة الفقهية على مختلف مكونات المنطق، ويبين الموازين العقلية في النص القرآني ، فكان كتابه “معيار العلم” أهم كتبه المنطقية ، الذي بين من خلاله أن المنطق الأرسطي آلةٌ تخدم جميع العلوم كعلم الحساب المرتبط بعلم الفرائض ، و التصوف المؤسس لعلم الأخلاق ، وتتداخل مع جميع العلوم كالهندسة والجبر والفيزياء وغيرها . ويؤكد “الغزالي” نظرته هذه بقوله:«من لا معرفة له بالمنطق، لا يوثق بعلمه» وكذلك:«من لا يحيط بالمنطق فلا ثقة بعلومه أصلا ».أما فيلسوف قرطبة “ابن رشد” فقد تكلف بمهمة شرح كتب “أرسطو” بما فيها الكتب المنطقية وخاصة “التحليلات الأولى” و”التحليلات الثانية”، وآمن في كتابه “فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة و الشريعة من اتصال” أن الشريعة حق وأن النظر العقلي البرهاني حق ، والحق لا يضاد الحق  بل يشهد له ويوافقه . لكن هل استطاع “أرسطو” و أتباعه أن يضمنوا للمنطق الصوري مقعده كنموذج أعلى للمصداقية العلمية وكمنهج لكل العلوم.

القد والمناقشة: لا يجوز لنا بأي حال من الأحوال أن ننكر ما للمنطق الأرسطي من فضل في تقدم الفكر البشري، ولكن اعترافنا بهذا لن يمنعنا من التعرض لأهم الانتقادات التي اعترضته. إذ كيف للمنطق الأرسطي أن يكون آلة للعلوم رغم أنه شكلي، يدرس صور التفكير دون البحث عن طبيعة الموضوعات التي ينصب عليها بحسب الواقع ، أي أنه لم يحاول البحث عن المصدر المادي للأفكار بقدر ما كرس بحوثه لعلاقة الأفكار ببعضها.كما أن جملة الانتقادات التي تعرض لها المنطق الصوري تدخل في إطار أن مذهب القياس الأرسطي ينبني أساسا على المقدمة الكبرى التي تمثل مسلمات مستمدة من التجربة اليومية الساذجة والموروث الاجتماعي المألوف، أي لا تستند إلى أي مرجعية علمية. لذلك راح المفكر “علي الوردي” يقول :«…وإذا علمنا أن المقدمة تستند على البديهيات المألوفة، اتضحت لنا تفاهة هذا القياس برمته ».إن المنطق الأرسطي من جانب آخر زعم أنه مطلق ويصل إلى حقائق ثابتة، تمثل النظرية النهائية . غير أن الواقع العلمي يبين غير ذلك، فجميع الآراء الطبيعية عند “أرسطو” تجاوزها الزمن وأصبحت في متحف التاريخ المعرفي. ألم يوصله منطقه إلى أن المادة لا تفنى، وأن الأرض هي مركز الكون، وأنها ثابتة و النجوم والكواكب تدور حولها؟. كلُّ هذه المعارف لم تعد مجدية في شيء في العصر الحاضر، فكيف سقط “أرسطو” في هذا التناقض إذا كان منطقه هو آلة العلم الطبيعي ؟

الموقف الثاني: بقدر ما كان للمنطق الأرسطي أنصار، دافعوا عنه لمدة طويلة من الزمن، فقد كان له خصوم، اكتشفوا نقصه و حاولوا سدَّه من خلال مبادئ منطقية جديدة تتماشى مع متطلبات الواقع العلمي المتغير. فاتجهت اهتمامات المناطقة و الرياضيين و العلماء إلى أساليب جديدة تتجاوز اللفظ إلى الرمز، والمجرد إلى المحسوس، و الثابت إلى المتغير ، وكذا القيم المحدودة إلى المتعددة .لقد حافظ المنطق الصوري على صورته الأرسطية ، ولم يحقق الاختلاف والظهور بصورة جديدة إلا في منتصف القرن التاسع عشر، حين تحرر من الخاصية الطوطولوجية العقيمة، المنحصرة في تحصيل ما حَصل ومعرفة ما عُرف، وأخذ يتصف بطابع الجدة و الابتكار، و ذلك من خلال البرهنة على قضايا جزئية، ليست متضمنة في المقدمات المُسلَّم بصحتها سابقا، بل تُبنى من أساسها ضمن الاستدلال   و بالاستناد إلى معارف أولية قبلية ، عُرفت بها الرياضيات الإقليدية و هي البديهيات و المسلمات و التعريفات. كل هذا يُختزل في المنطق الرمزي الذي سمَّاه “إتالسون” باللوجستيكا، و “بول” بجبر المنطق، و “بيانو” بالمنطق الرياضي.

و من الميزات الشائعة للمنطق الرمزي، استعماله لنظام ثابت من الرموز الجبرية، التي من شأنها أن تجنبنا الوقوع في المغالطات والأغلوطات الناجمة عن اللغة العادية، والتي كانت مجال اشتغال المنطق الأرسطي. لذلك راح “مويي” يقول:«إن اللغة غير دقيقة. فالكثير من ألفاظها مبهم»، فقرر أن العلم يحتاج إلى «لغة الرياضيات التي مكن بناؤها….من التخلص من المبهمات». كما أن  المنطق الرمزي حدد لنفسه مجموعة من القواعد التي يستند إليها كي يستنتج أحكامه، وسماها باللوجستيك . ونجد في الفكر الغربي الحديث ممثل فلسفة الديالكتيك “فيلهالم فردريك هيجل” واضع المنطق الجدلي كمنهج عقلي للتفكير. إذ لا يوافق “هيجل” على المنطق الأرسطي، معتبرا إياه سكونيََّا و جامدا ما دام يقوم على مبدأ الهوية الثابت الذي يكون سبب سطحيته وعقمه، فهو عاجز عن تفسير ما يحدث في الواقع المتغير باستمرار والخاضع لصيرورة لا تعرف التوقف ولا السكون ولو لثانية واحدة، بفعل تصارع الأضداد والنقائض بداخله وفي علاقاته الحركية الجدلية مع محيطه. والمنطق الأرسطي عاجز عن تفسير ذاك التغير، ما دفع لظهور منطق الديالكتيك ومبدأ التناقض الذين يثبتان الصراع بين الهوية ونقيضها، أو بين الموضوع وما يقابله ثم التركيب بينهما كي تتكرر العملية إلى اللانهاية.إن تطور علم الفيزياء دفع لظهور مبدأ اللاحتمية الذي يفترض أن هناك ظواهر تنفلت من النظام الكوني، ولا تستند إلى السببية بمعنييها الأرسطي أو التجريبي الحديث. وقد ارتبط مبدأ اللاحتمية بالميكروفيزياء مع “هيزنبرغ” و “ماكس بلانك” وغيرهم، في الوقت الذي وجد فيه المنطق الأرسطي الثنائي القيمة حرجا في استيعاب الظواهر الميكروفيزيائية الدقيقة، مما دفع العديد من المناطقة المعاصرين أمثال “هانز رايشنباخ” للحديث عن منطق تتعدد فيه القيم . فبدلا من تحديد الحكم على القضايا بأنها إما صادقة و إما كاذبة، وجب توسيع معيار الحكم وإدخال قيمة توسطية هي “اللاتحديد” و التي تفيد المعنى “قد تكون صادقة و قد تكون كاذبة”.  كل الاتجاهات السابقة جاءت مناهضة للمنطق الصوري ومدافعة عن مبادئ منطقية جديدة، مما جعل الكثير من المفكرين و العلماء يعتقدون بوجوب وضع المبادئ الأرسطية ضمن متحف التاريخ المعرفي أي الحديث عنها كمعرفة تجاوزها الزمن. لكن هل أفلحوا في ذلك.

النقد والمناقشة:إن رفض المنطق الأرسطي من الناحية الصورية يبدو أمرا مبالغا فيه، مادام أن الرياضيات التي تعد لغة دقيقة لجميع العلوم هي أكثر صورية منه. ثم إن العديد من المبادئ المنطقية الجديدة ترتد في أصلها إلى المنطق الأرسطي، ألم يتشكل المنطق الرمزي يوم فكر المناطقة و الرياضيون في المزاوجة بين العلم الرياضي و المنطق الصوري؟!!.من جهة أخرى ألا يجب اعتبار الاختلاف بين المبادئ الأرسطية و باقي المبادئ المنطقية الحديثة والمعاصرة، اختلاف تعدد لا اختلاف تضاد، أي لا يمكن أن يكون وجود إحداها ضرورة منطقية لإلغاء أخرى بل على العكس من ذلك، فلكل منها مجالها و اختصاصها و مبررات وجودها.

التركيب : بالنظر لما سبق يمكن القول أن الاعتقاد بأن المنطق الصوري الأرسطي أصبح كلاسيكيا و باليا، لا يمكن الأخذ به بشكله المطلق و النهائي، مادام أنه يقدم لنا طريقة منطقية في الاستدلال و كذا تقويم الكلام عن طريق ضبط الحدود، و من جهة أخرى فالعلوم الحديثة مهما تنافت مع المنطق الصوري إلا أنها تبقى مع ذلك محافظة على مبادئه كالهوية و عدم التناقض، بل إن رفضه يعني رفضا العقل و تهديما للأسس التي يقوم عليها.إن قيمة المنطق الصوري تظهر كذلك من خلال انطباق العديد من نتائجه مع نتائج المنطق المادي، وذلك من خلال النسق المنطقي الذي يترجم انطباقه مع نفسه و مع الواقع في نفس الوقت، فالاستقراء التجريبي يصل إلى نتائج عملية لكنها تحتاج إلى استنباط منطقي، يمكَّن من البحث عن الصورة المنطقية للنظرية ومقارنة نتائجها بالاتساق الداخلي وبغيرها من النظريات الأخرى. كما أنه يمكن الاعتقاد أن البحث العلمي يبدأ من تعميمات تجريبية سابقة أو قوانين مسلم بها، ثم يستنتج الباحث من هذه التعميمات نتائج جزئية بواسطة القواعد الأرسطية المعروفة.

الخاتمة : في الأخير يمكن القول أن كل منهج أو دراسة وضعية، مهما كان انسجامها إلا أنها تبقى في جانب من جوانبها تعاني نقصا ما، وهذا ما يحيلنا على التفكير في نسبية المعرفة البشرية في مقابل العلم الإلهي. ومن هنا فالمنطق الأرسطي الممثل في نظرية القياس قد لاقى من التحليلات و الانتقادات و الاعتراضات ما كان كافيا ليجعل العديد من مبادئه قد تجاوزها الزمن العلمي، غير أن ذلك لن يمنعنا من القول أنه على جانب كبير من الفائدة العملية مادام أننا نستعمله تلقائيا في حياتنا العامة و بشكل لا شعوري، فجميع جوانب حياتنا العلمية والعامية و العاطفية تشتمل على التفكير المنطقي الذي بدونه يفقد الخطاب الحقيقي انسجامه .إن المهم ليس معرفة النظام الذي يحكم الفكر المنطقي بقدر ما هو طريقة توظيفه في نصرة مذهب دون آخر، لذلك يجب أن تكون الغاية المنشودة سليمة قبل أن نوظف المنطق في الدفاع عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.