الخميس - 25 يوليو 2024

مقالة جدلية هل السلوك التعودي سلوك إيجابي أم سلبي ؟

مقالة جدلية هل السلوك التعودي سلوك إيجابي أم سلبي ؟

;هل السلوك التعودي ينعكس إيجابا أم سلبا على الإنسان ؟

 طرح المشكلة :  إن الإنسان كائن إجتماعي بطبعه يسعى دائما إلى التكيف و التأقلم مع العالم  الخارجي و يلجأ في ذلك إلى عدة آليات من بينها العادة التي تعرف بأنها قدرة مكتسبة على أداء عمل ما بطريقة آلية مع السرعة و الدقة و الاقتصاد في المجهود و لهذه القدرة إنعكاسات على سلوك الإنسان وهذا ما أدى إلى جدال المفكرين والفلاسفة و تضارب آرائهم فإنقسموا إلى تيارين متعارضين تيار يرى بأن” العادة سلوك إيجابي يساعد على التكيف” و تيار يرى بأن ” العادة سلوك سلبي يعيق التكيف ” هذا الجدال دفعنا إلى طرح الإشكال الآتي : هل السلوك التعودي ينعكس إيجابا أم سلبا على الإنسان ؟ أو بمعنى آخرهل العادة تساعد الإنسان في تحقيق التكيف مع العلم الخارجي أم تعيقه ؟ هل العادة مجرد ميل  اعمى ؟

 عرض منطق الأطروحة  : يرى أنصار الموقف الأول أن العادة سلوك إيجابي فهي رصيد و تجربة هدفها التكيف كما أنها تساهم وبشكل فعّال في إزالة العناء والشقاء عن حياة الإنسان ويظهر ذلك من نواحي عديدة ؛ فعلى المستوى الحركي والجسمي تساعد العادة صاحبها على توفير الوقت والجهد في أداء العمل مما يسمح له القيام بأعمال أخرى ، والتكيف بسرعة مع المواقف الجديدة  ، كما أنها كشف لمهارات وتجلي لروح النظام ، فمثلا : سائق السيارة الذي يقود بمهارة نجده في الوقت نفسه يتبادل أطراف الحديث مع الركاب ويتسمع للمذياع ، لذلك قال “سولي برودوم ” في هذا الصدد : ” لو لم تكن العادة تسهل لنا الأشياء ، لكان في قيامنا بوضع ملابسنا وخلعها نستغرق يوما كاملا” إن كل حركة جسمية هي في الأصل نتيجة لعادة ؛ والدليل على ذلك : الرياضي الذي عوّد جسمه ببعض المهارات في الحركات ، فهو يقوم بها بكل حرية وإرادة ، أما الذي لم يعوّد جسمه على ذلك يصاب بتشنج عضلي ، لذلك قال “آلان” :” إن العادة تمنح الجسم الرشاقة السيولة ” و قال أيضا : ” هي قدرة   على آداء عمل ما ، كنت في بداية الأمر عاجزا على آدائه ” ويمكن أن نلاحظ ذلك على الطفل الصغير أثناء تعلمه للكتابة ، ففي البداية تكون حركاته عنيفة وتشمل في ذلك الوقت التوتر العضلي للجسم كله حيث يتقطب الجبين وتلتوي الشفتان واللسان وتكو ن قبضة يده على القلم بشدة حتى تتصلب الأصابع والذراع كله ، لكن تزول هذه الحركات رويدا رويدا والفضل في ذلك يعود كله إلى العادة بحيث تحقق المهارة والسرعة في الكتابة كما تظهر فاعليته على المستوى النفسي فهي نموذج يمكّن من التعامل مع الموضوعات المشابهة مما إلى الشعور بالإرتياح والإستقرار والتوازن النفسي فمن خلال السلوكات التعودية تزيد الثقة بالنفس ، ويقل التردد لأن الفرد سيؤدي تلك الأفعال بإتقان وبالتالي يتخلص من الحركات الخاطئة ويعوّضها بحركات ناجحة . قال  جون ديوي : ” كل العادات تدفع إلى القيام بأنواع معينة من النشاط وهي تكوّن النفس ” بالإضافة إلى ذلك إن العادة تحد من تأثير العواطف والرغبات في نفوسنا كما تقوي قدراتنا على التحمل والصبر فمثلا : الطبيب وبسبب العادة أصبح لا يتأثر بأنين مرضاه ، وهكذا فقط يمكنه من آداء عمله بشكل دقيق وناجح ، بخلاف الطبيب المتربص فإنه يجد في البداية صعوب ة في سماعها كما أنها توفر على الإنسان عناء التفكير ، فهو لايحتاج إلى وقت كبير في إصدار الأحكام لأنه سوف يقرر وفقا لما تعود عليه فمثلا : طالب الفلسف ة ، سيحكم على على الطريقة التي يعالجها السؤال بناءا على ما تعوّد عليه إن العادة الفعالة الخاضعة للإرادة والوعي تعمل على تحرير الإنتباه وتساعد على التفكير الناجح ، حيث يتسنى للمرء ترتيب أفكاره والعمل على تنسيقها وتوجيها بسرعة . قال ” جون ديوي ” : “فهي تحكم قيادة أفكارنا فتحدد ما يظهر منها وما يقوى وما ينبغي له أن يذهب من النور إلى الظلام ” بالإضافة إلى ذلك تساعد العادة الذات على إبراز إمكاناتها ومواهبها ، لهذا قيل : ” العادة مصدر الإبداع في جميع الميادين ” كما قال ” برادين ” : ” المفارقة في العادة أنها إبداع آليات من كائن ليس آليا ” . و الدليل على ذلك : الفارق الكبير الذي نجده بين اللوحة القنية التي رسمها فنان ذو خبرة طويلة وبين اللوحة التي يرسمها الإنسان العادي أو الفنان المبتدئ وللعادة إتصال وثيق بالأخلاق ، فمن خلالها يتم غرس المبادئ التربوية الحميدة التي تساهم بشكل فعال في تكوين الشخصية ، ففي سن مبكرة يكتسب الطفل عاداته بالتلقي والتدريب ، فبفضلها يتم تهذيب السلوك ، فمثلا : من وطّن نفسه على صفة الأمانة تجده لن يقف مترددا في أحكامه ، ولا ينفق فيها جهدا .للعادة آثار إيجابية أيضا على المستوى الإجتماعي ؛ فالإنسجام والتوافق بين أفراد المجتمع مصدره العادة لأنها تجعل البيئة مألوفة لديهم ، كما أنها تساعد على حفظ النظام الإجتماعي وتجنب الصراعات والفوضى ، لا سيما أثناء احترام الأفراد للعادات الإجتماعية ، وهذا ما يساهم بشكل كبير في مرونة العلاقات الإجتماعية فمن خلالها يتم الترابط والتماسك فتنتشر أواصر المحبة ويتجلى ذلك خاصة في موائد  رمضان و كذلك التضامن الإجتماعي خلال الكوارث الطبيعية

النقد  : لقد نبه علماء الأخلاق إلى إستبداد العادة وطغيانها ، فبمرور الزمن تصبح عائقا أمام الإرادة الإنسانية ، فمرونة هذا السلوك نؤول في كثير من الأحيان إلى التصلب والآلية ، وهذا ما يؤدي إلى الثبات والسكون في سلوك الإنسان ، والقول بأن العادة سلوك تكيفي مبالغ فيه ، لأنه غير متجدد ويؤدي إلى التكرار كما أن العادة تقيّدّ الفرد بسلوكات يصعب عليه التخلص منها ، مثلا : التعصب الفكري ، أو التعود على بعض العادات الإجتماعية السيئة كالأخذ بالثأر أو السحر … وهلم  جرا

عرض نقيض الأطروحة  : 

وعلى النقيض من ذلك يرى أنصار الأطروحة الثانية و في مقدمتهم ” جون جاك روسو” أن العادة سلوك سلبي يجرّد الإنسان من إنسانيته حيث قال : ” خير عادة للطفل ألا يعتاد شيئا ” إن العادة وما تتميز به من آلية ، تؤدي إلى صعوبة التكيف مع الواقع ويظهر الأثر السلبي لها في نواحي عديدة : فعلى المستوى الجسمي والحركي ؛ فلقد أكدت العديد من الإختبارات البيولوجية أنه من تعودت أعضاءه على حركة ما يصعب عليه تغيرها ، ومثال ذلك : الأطفال الذين يعانون من التشوهات أو تعود جسمهم على وضعيات معينة ، فسوء الجلوس قد يؤثر على سلامة العمود الفقري ، كما نجد العديد من الأضرار تصيب الجسم سببها عادات غذائية سيئة ، لأن الفرد لا تكون له الحرية في الإستغناء عنها ، لذلك قال” إبن خلدون” :” إن الأغذية وائتلافها أو تركها و إنما  بالعادة فمن عوّد نفسه غذاءا و داوم عليه كان له مألوفا وصار الخروج عنه والتبدل له داء ” كما تؤثر العادة سلبا على الحياة النفسية للإنسان لأنها تخلق لديه الشعور بالسأم والملل نتيجة الروتين والرتابة ، وهذا ما يجعل حياته خالية من المشاعر ، كما أنها تضعف الحساسية وهذا ما يتجلى بوضوح في حياة الجرّاحين ، فلقد تعودوا ألا ينفعوا لما يقومون به من تشريحات ومعاينات . قال ” جون جاك روسو” : ” العادة تقسي القلوب “. كما قال ” سولي برودوم” : ” إن جميع الذين تستولي عليهم قوة العادة يصبحون بوجوههم بشرا وبحركاتهم آلات ” إن العادة المنفعلة التي تقوم على التكرار الفاقد للوعي والإنتباه تتسبب في الركود ، كما أنها تقضي على روح  المبادرة والإبداع مما يعني أنها تضعف الفاعلية الفكري ولقد أثبت العلم والتاريخ أن العادة تعيق التفكير ، فهي بمثابة عائق إبستيمولوجي لأنها تمنع الروح النقدية ، فالتعود على الأفكار الشائعة يؤدي إلى رفض التجديد . قال “جون بياجيه” : ” الروح المتعودة هي الروح الميتة” إنها تخلق في نفس الإنسان التعصب والتزمت والوثوقية ولهذا يعتبر ” غاستون باشلار ” الأفكار الراسخة في الأذهان عوائق معرفية تعيق تقدم العلم ، لذلك قال في هذا السياق : ” إن كبار العلماء يفيدون في النصف الأول من حياتهم ويضرون به في النصف الثاني منها ” فمثلا : الحقيقة التي أعلن عنها الطبيب ” هارفي” حول الدورة الدموية في الإنسان ظل الأطباء يرفضونها مدة أربعين سنة والأمر نفسه حدث مع ” غاليلي” وما واجهه من اضطهاد الكنيس ة وكذلك المجتمع بسبب أفكاره  الجديدة إن صعوبة التكيف مع الأوضاع الإجتماعية التي تناقض ما ألِفه الإنسان تظهر كذلك الدور السلبي للعادة ، فأصحاب العقول التقليدية نجدهم يحافظون على ما هو قديم و خرافي على الرغم من وضوح الأدلة على بطلانه ، ومثال ذلك : عادة الأخذ بالثأثر في مصر . إن العلاقات الإجتماعية تفتقد حيويتها وجاذبيتها بسبب مثل هذه العادات السيئة التي تؤدي إلى الإنقسامات والصراعات والغموض بين أفراد المجتمع الواحد . لذلك قال مالنوفسكي : ” العادات هي روتين الحياة الحقيقية  ”

النقد :  لهذا الموقف عيوب وسلبيات لأن لابد من عدم نفي الحقيقة مفادها أن العادة وظيفة نفسية حيوية تساعد على التكيف لاسيما مع المواقف المشابهة ، كما أنه  بالوعي والإرادة يمكن الإقلاع عن سيئ العادات

التركيب  : يمكن القول أن العادة سلاح ذو حدين فهي من جهة سلوك إيجابي في كونها وسيلة تساعد الفرد على التكيف مع محيطه و تحرر إرادته و تمكنه من أداء عمله بسرعة و دقة و أقل مجهود ومن جهة أخرى سلوك سلبي لإنها إذا ما إستبدت بصاحبها سلبته إنسانيته و جعلته عبدا لها لذلك على الإنسان أن يتعامل معها بحكمة فيتحلى بإيجابياتها و يتخلى عن سلبياتها وفق مبدأ التحلية و التخلية و هذا يتضح في قول مارك توين ” لايمكن التخلص من العادة برميها من النافذة و إنما  يجعلها تنزل السلم درجة درجة “

حل المشكلة  : و في الأخير يمكن القول أن العادة سلوك إيجابي و سلبي في نفس الوقت فهي بالقدر الذي تحمله من إيجابيات و فوائد تحمله من سلبيات ومخاطر فهي قد تساعد الإنسان على التكيف و قد تشكل عائقا أمامه لذلك ينبغي على الإنسان التعامل معها بحذر و ذلك بالإستفادة من إيجابياتها و تفادي سلبياتها و إخضاعها لسلطة العقل و الإرادة و في هذا يقول شوفالي ” إن العادة أداة حياة أو موت حسب  إستخدام الفكر لها “

مقالة جدلية هل السلوك التعودي سلوك إيجابي أم سلبي ؟
مقالة جدلية هل السلوك التعودي سلوك إيجابي أم سلبي ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *