مذكرة الطرق البديلة لفض النزاعات الصلح والوساطة القضائية والتحكيم
شاطر | 
 

 مذكرة الطرق البديلة لفض النزاعات الصلح والوساطة القضائية والتحكيم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
SaNfOr
-


صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


مُساهمةموضوع: مذكرة الطرق البديلة لفض النزاعات الصلح والوساطة القضائية والتحكيم   الأحد 29 مارس - 2:24

  مذكرة: الطرق البديلة لفض النزاعات الصلح والوساطة القضائية والتحكيم  
 

قال الله تعالى:
لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس
ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً
سورة النساء الآية 114
…صدق الله العظيم

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
أحيلوا الخصوم الى الإصلاح فان القضاء يورث البغضاء


مقدمة
… أمام الكم الهائل والضخم من القضايا التي تطرح على جهاز القضاء وكذا التطور المستمر في المجتمع وتنوع المعاملات أدى إلى ارهاق العاملين بالقضاء و تراكم القضايا، وكذا طول أمد الفصل في النزاعات وكذا تشعب وتعقيد الإجراءات القضائية، دون نسيان التكليف المادية التي تثقل كاهل المتقاضي وارتفاع تكاليف التقاضي و لا نقصد هنا الرسوم القضائية التي تبقى في وجهة نظري مبالغ بسيطة ورمزية بالنظر إلى حجم كل ملف قضائي وما يطلبه من جهد تشارك فيه عدة أطراف إلى غاية الفصل فيه، وإنما نقصد ما يتعين على المتقاضي دفعه من مصاريف أخرى تتمثل في أتعاب الخبراء والمحامين والمحضرين والمترجمين، لهذا أصبح من الضروري البحث عن وسائل بديلة لحل النزاعات، وإبداع آليات جديدة قديمة في نفس الوقت كالصلح والتحكيم أو الوساطة الآلية الحديثة، هذه الآليات القانونية تمكن الأطراف من حل خلافاتهم بشكل سريع وعادل وفعّال، وتضمن لهم مرونة وحرية لا تتوفر عادة أمام القضاء.
… ونظرا لما تحتله هذه الوسائل من مكانة بارزة في الفكر القانوني والاقتصادي على المستوى العالمي، فقد عرفت اهتماما متزايدا من مختلف الأنظمة القانونية والقضائية، وذلك لما توفره من مرونة وسرعة و الحفاظ على السرية وما تضمنه من مشاركة الأطراف في إيجاد الحلول المناسبة لمنازعاتهم.… وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية من بين الدول السباقة في إحياء، وإبداع تقنيات الحلول البديلة لتسوية النزاعات، من خلال ما يعرف بإدارة الدعوى، والتحكيم الغير الملزم، واجتماع التسوية والوساطة وحذت حذوها دول أخرى خصوصا بالنسبة للوساطة القضائية التي نالت قصدا وفيرا من الدراسة والتحليل.
… فكان من الطبيعي أن تعمل الدول جاهدة على إيجاد الإطار الملائم الذي يضمن لهذه الوسائل تقنينها ثم تطبيقها لتكون أداة فاعلة لتحقيق وتثبيت العدالة وصيانة الحقوق.
… وانطلاقا من هذا المبدأ وفي إطار تطوير استراتيجية ناجعة لجهاز القضاء الجزائري، جاء قانون الإجراءات المدنية والإدارية 08 - 09 المؤرخ في 25/ 02/2008 الذي فتح عهدا جديدا من التشريع.
فما المقصود بالطرق البديلة لحل النزاعات (الصلح، الوساطة، والتحكيم) وتطبيقها في الأقسام المدنية وما هي المبادئ الرئيسية التي تقوم عليها هذه الحلول البديلة، ومدى أهميتها، وكيف ينبغي أن تمارس، وما هو الدور الذي ينبغي أن يطلع به المجتمع في إنجاحها أو فشلها، وما هو دور أمين الضبط في كل هذا.
هذا ما أحاول أن أتناوله في مذكرتي هذه.
الفصل الأول: الصلح
تمهيد:وضع التقنين المدني أحكام عامة عن الصلح من حيث أنه عقد ينحسم به النزاع القائم أو المحتمل وقوعه ضمن الفصل الخامس تحت الباب السابع بعنوان العقود المتعلقة بالملكية وهذا ليس لأنه ينقل الملكية مثل البيع , بل لأن الصلح عقد يكشف عن الحقوق ولا ينقلها فهو يتضمن نزولا عنها فرتب القانون المدني نصوصه من المادة 459 إلى المادة 466 وقسمها إلى ثلاثة أقسام وعرض في القسم الأول أركان الصلح وفي القسم الثاني آثار الصلح والقسم الثالث بطلان الصلح، كما استحدث نصوصا قانونية في قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد الصادر بموجب القانون رقم 08/ 09 المؤرخ في 25/ 02/2008.
وما نسير عليه في هذا البحث هو أن نبين الأحكام العامة لعقد الصلح وهذا كعقد من عقود التراضي الملزم للجانبين، و كذا الإجراءات المتبعة فيه، حسب ما جاء في القانون المدني و قانون الإجراءات المدنية و الإدارية وهي الأحكام التي تحكم الصلح بصفة عامة بالإضافة إلى إجراءات الصلح المنصوص عليها في قوانين خاصة , ونسير في هذا البحث إلى معالجة موضوعنا ضمن الخطة التالية:
المبحث الأول: ماهية الصلح و أركانه.
نتناول في هذا المبحث ضمن مطلبين، تعريف الصلح وشروطه في المطلب الأول, وفي المطلب الثاني إلى أركان الصلح.
المطلب الأول: تعريف الصلح وشروطه.
الفرع الأول: تعريف الصلح.
أ- الصلح في اللغة: هو إنهاء الخصومة فنقول صالحه إذا صالحه وصافاه , ونقول صالحه على الشيء أي سلك معه مسلك المسالمة في الاتفاق وصلح الشيء إذا زال عنه الفساد، الصلاح ضد الفساد صلح يصلح و يصلح صلاحا و صلوحا [1]
و الإصلاح في اللّغة نقيض الإفساد. يقال: أصلح: إذا أتى بالخير والصّواب. وأصلح في عمله، أوامره: أتى بما هو صالح نافع. وأصلح الشّيء: أزال فساده.وأصلح بينهما، أو ذات بينهما، أو ما بينهما: أزال ما بينهما من عداوة ونزاع برضا الطّرفين. وفي، القرآن المجيد: {وإنْ طائفتان ِمن المؤمنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بينَهما، فإنْ بَغَتْ إحداهُما على الأخرى فقاتِلوا الّتي تبغي حتّى تَفِيء إلى أمرِ اللّهِ، فإنْ فاءَتْ فأصلِحوا بينهما بالعدلِ وأَقْسِطُوا إنّ َاللّه َيُحِبُّ المقسِطِين} الآية 09 سورة الحجرات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01 لسان العرب لابن منظور 2/ 516 - 517 (1).

فالإصلاح والتّحكيم يفضّ بهما النّزاع، غير أنّ الحكم لابدّ فيه من تولية من القاضي أو الخصمين، والإصلاح يكون الاختيار فيه من الطّرفين.
ب- الصلح لدى فقهاء الشريعة الإسلامية:
1 - في الفقه الحنفي: هو عقد يرتفع به التشاجر والتنازع بين الخصوم وهما منشأ الفساد والفتن.
2 - في الفقه المالكي: هو انتقال حق أو دعوى لرفع نزاع أو خوف وقوعه.
3 - في الفقه الشافعي: هو الذي تنقطع به خصومة المتخاصمين.
4 - في الفقه الحنبلي: هو معاقدة يتوصل بها إلى موافقة بين مختلفين.
ج- الصلح لدى فقهاء القانون: عرفه الدكتور محمود سلامة زناتي بأنه إتفاق حول حق متنازع فيه بين شخصين بمقتضاه يتنازل أحدهما عن إدعائه مقابل تنازل الأخر عن إدعائه أو مقابل أداء شيء ما.
وعرفته الأستاذة ابتسام القرام في مؤلفها المصطلحات القانونية في التشريع الجزائري بأن الصلح (المصالح):"عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو محتملا وذلك من خلال التنازل المتبادل ".
أما الدكتور بوسقيعة أحسن فيرى أنه يمكن تعريف المصالحة أو الصلح بوجه عام , بأنها تسوية لنزاع بطريقة ودية.د- الصلح في التشريع الجزائري: لقد عرف المشرع الجزائري الصلح في المادة 459 من القانون المدني: " عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان به نزاعا محتملا وذلك بأن يتنازل كل طرف منهما على وجه التبادل عن حقه "
ويختلف مفهوم الصلح في المجال المدني من فرع إلى آخر وكذا في المجال الجزائي , غير أن كل التعاريف تشترك في كون الصلح طريقة ودية لإنهاء النزاع ويختلف باعتباره كعقد أو كإجراء , فإن كانت المفاهيم السابقة تعرفه كعقد فإنه بالنظر إليه كإجراء أو كما يسمى بالصلح القضائي فقد عرف كالآتي:"هو الإجراءات التي تفرضها بعض القوانين على المتخاصمين لإلزامهم للحضور أمام القاضي ومحاولة تقريب وجهات نظرهم بعد إقامة الدعوى وخصوصا في مسائل الطلاق.
الفرع الثاني: شروط الصلح.
نص المشرع الجزائري على الشروط الواجب توفرها حتى نكون أمام صلح , وبالاطلاع على أحكام المواد 459 , 460 , 461 من القانون المدني نجدها تتضمن شروط عامة يمكن تطبيقها على الصلح بصفة عامة سواء في المواد المدنية أو الجزائية نتناولها باختصار في هذا الفرع.
فقد نصت المادة 460 من القانون المدني على أنه: " يشترط في من يصالح أن يكون أهلا للتصرف بعوض في الحقوق التي يشملها عقد الصلح ", كما نصت المادة 461 على أنه: " لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنزاع العام ولكن يجوز الصلح على المصالح المالية الناجمة عن الحالة الشخصية.
ومن نص المادة 459 من القانون المدني نخلص إلى أن للصلح مقومات ثلاثة وهي بمثابة شروط أساسية لكي يكون الصلح صحيحا وتتمثل في:
01 - وجود نزاع قائم أو محتمل 02 - نية إ نهاء النزاع 03 - النزول المتبادل عن الادعاءات.
أولا = وجود نزاع قائم أو محتمل:إذا لم يكن هناك نزاع قائم أو على الأقل نزاع محتمل , لم يكن العقد صلحا , فإما أن تكون المطالبة القضائية قائمة ومحاولة الصلح يكون كإجراء أثناء سير الخصومة أو قد يكون مجرد مصالح متعارضة مع إمكانية المطالبة القضائية أي مجرد إحتمال النزاع يكفي.
فإذا كان هناك نزاع قائم مطروح أمام القضاء وحسمه الطرفان بالصلح كان هذا الصلح قضائيا ( JUDICIAIRE ) , وإذا كان النزاع محتملا بين الطرفين فيكون الصلح لتوقي هذا النزاع ويكون في هذه الحالة صلحا غير قضائيا ( EXTRA JUDICIAIRE ) , فالمهم أن يكون هناك نزاع جدي قائم أو محتمل
ثانيا = نية إنهاء النزاع.
أي أن يقصد الطرفان بالصلح حسم النزاع بينهما , إما بإنهائه إذا كان قائما أو بتوقيه إذا كان محتملا , وليس من الضروري أن ينهي الصلح جميع المسائل المتنازع فيها فقد ينهي بعضها لتبت المحكمة في الباقي , كما يجوز للطرفين أن يتصالحا لإنهاء النزاع ويتفقان على أن يستصدرا حكما من المحكمة بما يتصالحا عليه فيكون هذا صلحا بالرغم من صدور الحكم.
ثالثا= النزول المتبادل عن الادعاءات.
فإذا لم ينزل أحدهما عن شيء مما يزعمه وترك الطرف الأخر كل ما يدعيه, فلا نكون بصدد الصلح بل مجرد نزول عن الادعاءات , إذ يجب أن يكون التنازل على وجه التقابل وعن جزء من الادعاءات وليس من الضروري أن تكون التضحية من الجانبين متعادلة كما لا يشترط أن يكون التنازل على جزء من أصل الحق فقد يكون حتى على المصاريف القضائية أو جزء منها فيكون صلحا مهما كانت تضحية الطرف الأخر قليلة بالنسبة إلى تضحية الطرف الأول.

الفرع الثالث: تمييز الصلح عن الأعمال القانونية المشابهة له.
قد يشتبه بالصلح عدة أنظمة مماثلة له لكونها تهدف إلى إنهاء النزاعات والخصومات ونحاول في هذا المطلب إبراز أهم الفروقات بينها.
1 - التحكيم:فالتحكيم يختلف عن الصلح اختلافا بينا , ففيه يتفق الطرفان على محكمين يبتون في نزاعهم أما في الصلح فأطراف الخصومة هم الذين يبتون في نزاعهم والتحكيم لا يقتضي تضحية من الجانبين
وإجراءات التحكيم وقواعده نظمها قانون الإجراءات المدنية و الإدارية في المواد من 1006 إلى 1065 , كما نص عليه أيضا في مجال منازعات العمل الجماعية في قانون 90 - 02 المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية في العمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب المعدل والمتمم , وهذا في المواد من 49 إلى 52.
2 - الوساطة:
وهي إحتكام أطراف النزاع إلى شخص محايد لا علاقة له بهما الذي تكون له السلطة التقريرية في إيجاد الحل الذي يكون في شكل إقتراحات أو توصيات قد يؤخذ بها وقد لا يؤخذ بها, فالوسيط هنا يعين بالإرادة المشتركة لطرفي النزاع بينما لا يعين المصالح من قبل المتنازعين في منازعات العمل الفردية إذ تتم المصالحة في مكتب المصالحة وهنا تكون إجبارية في حين الوساطة إختيارية وإجراءات الوساطة نظمها قانون الإجراءات المدنية و الإدارية في المواد من 994 إلى 1005.

…***********************

المبحث الثاني: إجراءات الصلح العام، آثاره و انقضاءه ودور أمين الضبط فيه:
المطلب الأول: إجراءات الصلح:
لقد أجازت المادة 4 من قانون الإجراءات المدنية للقاضي إجراء الصلح بين الأطراف أثناء سير الخصومة في أية مادة كانت، كما تطرقت المواد من 990 الى 993 من نفس القانون الى موضوع الصلح وهذا بانه يجوز للخصوم التصالح تلقائيا، أو بسعي من القاضي، في جميع مراحل الخصومة، كما تتم محاولة الصلح في الزمن والمكان الذي يراهما القاضي مناسبين.

الفرع الأول: حضور الطرفين أمام الجهة القضائية وإقرارهما بالصلح:حتى يأخذ الصلح الصبغة القضائية يلزم الطرفان بالحضور أمام الجهة القضائية الناظرة في النزاع بنفسيهما ويوقعا على محضر الصلح طبقا لنص المادة 992 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

الفرع الثاني: محاولة التوفيق بين الطرفين أثناء سير الخصومة:

نصت على هذا المادة 4 والمادة 990 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ومحاولة التوفيق هذه تكون بتدخل من القاضي المختص بالنظر في الدعوى والمادة 991 من نفس القانون منحت للقاضي سلطة اختيار الزمن والمكان المناسب لأجراء عملية الصلح.
كما يجوز عرض الصلح حتى بعد قفل باب المرافعات، وذلك إذا طلب احد الخصوم فتح باب المرافعة من جديد أو عند وضع القضية في التقرير.

الفرع الثالث: الصلح كأجراء وجوبي في قضايا الأسرة:

أن الصلح في النزاعات الأسرية وخاصة الطلاق وأن كان ينبع من إرادة الطرفين ورغبتهما الحقيقية في الرجوع من جديد إلى الحياة الزوجية إلا أن دور القاضي في إيقاع الصلح بينهما يبقى هاما ورئيسيا وذلك لما له من تأثير معنوي على نفسية الطرفين.
ولقد أوجب القانون الجزائري على القاضي السعي لإصلاح ذات البين بين الزوجين قبل حكم الطلاق فقد نصت المادة 49 من قانون الأسرة بان القاضي لا يحكم بالطلاق إلا بعد أن يبذل قاضي الأسرة جهدا في عدة محاولات للصلح بين الزوجين ويعجز عن ذلك دون أن تتجاوز المدة ثلاثة (3) أشهرا ابتداء من تاريخ رفع الدعوى، كما يتعين على القاضي تحرير محضر يبين مساعي ونتائج محاولات الصلح يوقعه مع امين ضبط القسم والطرفين.

المطلب الثاني دور أمين الضبط في الصلح:…ان دور أمين الضبط لا يقتصر على حضور جلسة الصلاح وتحرير محضر بذلك بل يتعدى ذلك بكونه أول من يستقبل أطراف الخصومة وأخر من يسلم الأحكام، بالرغم من كون المشرع أوكل مهمة الصلح للقاضي إلا أن دور أمانة الضبط في هذه المهمة يبقى حاضرا بحكم الحالات التالية:
1 ـ إن جهاز كتابة الضبط هو أول من يضع يده على قضايا الصلح، من خلال علاقته المباشرة مع المتقاضين والوافدين على أقسام الجهات القضائية.
وقد يجد أفراد هذا الجهاز أنفسهم تلقائيا وبدون خطة عمل سابقة، منهمكين في إصلاح ذات البين بين الزوجين، في مكاتب الاستقبال، أو في صندوق المخصص لتسديد الرسوم القضائية أو ضمن الغرف والأقسام.
2 ـ إن جهاز كتابة الضبط شريك أساسي في عملية الصلح وفق توجيهات المحكمة، وحسب ما تفتضيه القوانين السارية. فهو الذي يستدعي الزوجين لمحاولة الصلح، وهو الذي يدون وبدقة في محاضر الجلسات كل ما جاء على لسان الزوجين وبهذا يكون جهاز أمانة الضبط في حالة إطلاع تام على موضوع الصلح، مشارك فيه، ومتتبع لمراحله، إنه الشاهد على جميع الأطراف والحاضر في كل اللحظات التي تمر منها عملية الصلح، حتى في اللحظات الخارجة عن الحيز الزمني المخصص للجلسات.
ورغم كون عمله يتم بصمت خلال الجلسات، إلا أنه يعتبر العنصر المحوري في عملية الصلح خصوصا في قضايا شؤون الأسرة، لكونه يرى الأمور من زوايا مختلفة، فهو القادر على جمع مفردات هذه العملية، والمتمكن من تتبع جميع مراحلها، والمتنبئ بنتائجها، والمؤهل لفك رموزها.
وقد تختلط فيه ادوار أمانة الضبط بين ما هو إداري يدخل في اختصاصه وبين ما هو اجتماعي تقوم به أمانة الضبط من منطلق خيري وإحساني.وبالرغم من صعوبة تقييم هذا الدور التلقائي والعفوي الذي تقوم به مؤسسة أمانة الضبط في مجال الصلح، إلا أنه ومن خلال المعاينة الواقعية والتجربة الميدانية، يمكن القول إن هناك نتائج جد إيجابية يتم تحقيقها على هذا المستوى خصوصا في قضايا شؤون الأسرة لأننا بكل صدق لا نرى أي اثر للصلح في القضايا الأخرى.

الفرع الأول: تثبيت الصلح في محضر:
نصت على هذا المادة 992 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على ان يثبت الصلح في محضر يوقع عليه الخصوم والقاضي وأمين و الضبط ويودع المحضر أمانة ضبط الجهة القضائية ويكتسب محضر الصلح في هذه الحالة صفة الصلح القضائي ويعتبر بالتالي سندا تنفيذا بمجرد إيداعه أمانة ضبط الجهة القضائية طبقا لنص المادة 993 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

الفرع الثاني: محضر الصلح والآثار المترتبة عليه:

بمجرد ان يأخذ محضر الصلح شكله النهائي وهذا بالتوقيع عليه من طرف القاضي يترتب عليه إسقاط الحقوق والادعاءات التي تنازل احد الطرفين عنها بصفة نهائية وهذا ما نصت عليه المادة 462 من القانون المدني.
كما نصت المادة 220 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية بأنه ((تنقضي الخصومة تبعا لانقضاء الدعوى بالصلح)).

الفرع الثالث: الصفة التنفيذية لمحضر الصلح:
ولقد تناولت المادة 993 والماد\ة 600/ 08 على ان يصبح محضر الصلح سندا تنفيذيا بمجرد التأشير عليه من طرف القاضي وإيداعه أمانة الضبط.

…***************************

الفصل الثاني: الوساطة

تمهيداللجوء إلى الحلول البديلة لفض النزاعات التي تنشا بين أفراد المجتمع أصبح امرأ ملحا لتلبية مقتضيات الحياة وتشعبها داخل هذا المجتمع وبالنظر إلى ان المحاكم أصبحت غير قادرة على مسايرة حياة المجتمع بسبب تراكم القضايا وتشعبها، وتعتبر الوساطة القضائية من الحلول البديلة، تساهم في تسوية بعض المنازعات بصورة ودية تعتمد على التوافق والتراضي بعيدا عن الحزم والاجبار دون ان يكون هناك غالب او مغلوب ولا مخطئ او مصيب ودون ان يترك اثرا في نفوس المتنازعين بشكل تراعى فيه السرعة المطلوبة والمصالح المتبادلة للمتنازعين ومن هنا كانت الوساطة وإدارة الدعوى المدنية من الأساليب الحديثة التي اخذ بها المشرع الجزائري والتي أثبتت نجاحا واسعا في الكثير من الدول التي سبقتنا وساهمت بشكل مباشر في تخفيف العبء على المحاكم وقبل ان تكون الوساطة قانونا كانت ولا زالت سلوكا متجذرا في موروثنا الإنساني والعربي والإسلامي ومحببا للنفس البشرية التي ترفض بطبيعتها فرض الأحكام عليها، وانطلاقا من هذا المبدأ وفي إطار تطوير استراتيجية ناجعة لجهاز القضاء جاء قانون الإجراءات المدنية والإدارية 08 - 09 المؤرخ في 25/ 02/2008 متبنيا نظام الوساطة القضائية كأداة قانونية بديلة لتسوية النزاعات وتخفيف العبء على المحاكم وزيادة رضا الجمهور عن النظام القضائي.

وقبل بداء البحث في الوساطة القضائية كان لابد من تعريف المقصود بالوساطة التي تعرف على أنها: مرحلة متقدمة من التفاوض تتم بمشاركة طرف ثالث (الوسيط) يعمل على تسهيل الحوار بين المتنازعين ومساعدتهم في التوصل الى تسوية ولا يجوز للوسيط اتخاذ أي قرار يبت في النزاع بل دوره ينحصر في محاولة تقريب وجهات النظر وردم الهوة بينهم بطريقة ودية وطرح الحلول البديلة أمامهم.

وسنتطرق في الفصل الثاني من هذه المذكرة الى المقصود بالوساطة القضائية؟وما هي المبادئ الأساسية التي ترتكز عليها؟
وما هي الأسباب التي يتعين إتباعها لإنجاح الوساطة القضائية؟.
وما هو دور أمين الضبط فيها؟

…*************************

المبحث الأول: نشأة وتطور الوساطة القضائية وماهية الوساطة

المطلب الاول: النشأة التاريخية للوساطة القضائية
إن الوسيط القضائي يعتبر وافدا جديدا على أسرة أعوان القضاء، من أجل المساهمة في تفعيل دور القضاء الجزائري وترقيته بما يحقق العدالة والسلم الاجتماعي
وإن كان دور بقية أعوان القضاء يعتبر علاجيا بعد رفع النزاع أمام القضاء، فإن دور الوسيط القضائي يعتبر وقائيا بأتم معنى الكلمة للحيلولة دون حدوث النزاع، والوقاية خير من العلاج كما قيل ….
الفرع الأول: نظرة تاريخية علي الوساطة القضائية:
تعتبر الوساطة القضائية والصلح والتحكيم من أقدم الأساليب القضائية البديلة لحل النزاعات فقد عملت بها قبائل العرب قبل مجيء الإسلام، وواقعة تنازع قبائل قريش حول أحقية التشرف بوضع الحجر الأسود في مكانه عند بناء الكعبة المشرفة، وقتها احتكم الخصوم إذ ذاك إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته وكان يلقب بالصادق الأمين، ورضي الجميع بالحل الذي اقترحه عليهم.
وبعد مجيء الإسلام الذي أبقى على الصلح بين الأطراف المتنازعة كأداة قضائية فعالة في وأد المنازعات، وأحاطه بجملة من الضوابط جعلت منه أهم الدعائم التي يرتكز عليها القضاء في الإسلام، والشواهد في القرآن الكريم والسنة المطهرة في هذا الباب أكثر من أن تحصى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ….… بل ارتقى الإسلام بالصلح إلى مرتبة تجعله من أعظم العبادات وأجلها ويفوق ثوابه درجة الصلاة والصيام والزكاة فقال صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والزكاة، قالوا بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الرأس ولكن تحلق الدين …
ومع تطور مفهوم الدولة الحديثة وتوسع نطاق القانون وتشعب القضايا وأمام عجز الأنظمة القضائية في مواجهة القضايا المتراكمة والمستعصية، عمدت مختلف الدول إلى تطوير أساليب تتماشى ومتطلبات هذا التطور، واعتمدت الوساطة القضائية إلى جانب التحكيم والصلح والتوفيق كوسيلة لفض النزاعات.

… فقد كانت مطبقة في العهد القديم في فرنسا بمفهوم المصالحة، واستخدمت من جديد بعد الثورة الفرنسية عام 1789، وظهر أول قانون يتضمن هذا الموضوع في 03 - 01 - 1973 وتبعه قانون 24 - 12 - 1976 الذي تم بموجبه تعيين وسيط الجمهورية.

… وقد ظهرت الوساطة أيضا في الولايات المتحدة الأمريكية خلال 1977 كرد فعل على الاستياء العام من التعقيدات الإجرائية للعمل القضائي وطول أمده الذي يفوق في بعض الأحيان أجل المتقاضي في حد ذاته، فعلى إثر نزاع أمام القضاء الأمريكي دام أكثر من 3 سنوات، اهتدى أطراف النزاع إلى فكرة تشكيل لجنة مصغرة ممن لهم معرفة ودراية بتفاصيل النزاع يرأسها شخص محايد ….
وبعد جولتين من المفاوضات تم حل النزاع، ومنذ هذا التاريخ ظهر ما يسمى بالوسيلة البديلة لحل المنازعات.… وقد عرفت الوساطة القضائية إقبالا واهتماما متزايدا في أوساط الباحثين، والممارسين في المجال القضائي والقانوني والسياسي في أغلب دول العالم، وسارعت النظم القانونية الداخلية والدولية إلى تخصيص ندوات وملتقيات دراسية حولها، و أصبحت موضوع مجموعة من الرسائل الجامعية، ليتم بعد ذلك اعتمادها كأداة مساعدة ومكملة لتطوير أجهزة القضاء مستفيدين من مزاياها في خفض التكاليف والحفاظ على السرية والسرعة في حسم النزاع، إضافة إلى المرونة من حيث الإجراءات في التنفيذ، وكل ذلك جعلها تلعب دورا رياديا في التخفيف من العبء الذي تعانيه المحاكم، وترتقي بجهاز القضاء إلى ما يروم إليه من تحقيق العدالة التي نصت عليها الدساتير ….

… أما في بريطانيا فإن الدراسات المختصة تعزو سبب عزوف المتقاضين عن اللجوء للقضاء إلى ما يتحمله الأطراف من تكاليف باهظة تفوق في بعض الأحيان الحق المطلوب ذاته ….
… أما بالنسبة للدول العربية فإن الوساطة القضائية لم تعرف سبيلها إلى المنظومة القانونية القضائية إلا في السنوات الأخيرة.
فقد سعت معظم التشريعات العربية وفي مقدمتها الجزائر إلى تحديث المنظومة القضائية في إطار دعم الموجود وإيجاد المفقود باستحداث الوساطة كوسيلة بديلة لحل النزاعات، وجاء القانون 08 - 09 المتعلق بقانون الاجراءات المدنية والادارية ليمثل ثمرة الجهود المبذولة في هذا الشأن.

الفرع الثاني: ماهية الوساطة …تعتبر الوساطة احدي الطرق الفعالة لفض المنازعات بين الأشخاص بعيدا عن عملية التقاضي وذلك من خلال إجراءات سريه وسريعة تقوم على محاولة تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع من خلال استخدام فنون مستحدثه في المفاوضات بغية الوصول إلى تسوية لفض النزاعات كون مرضية لجميع الأطراف حيث يساهم كل من فرقاء النزاع بالوصول إلى هذه التسوية.
وعلى ضوء ما تقدم فإننا نخلص إلى ان الوساطة هي عبارة عن عملية مفاوضات غير ملزمه يقوم بها طرف ثالث محايد يهدف إلى مساعدة أطراف النزاع للتوصل إلى حل النزاع القائم بينهم وذلك من خلال إتباع واستخدام فنون مستحدثه في الحوار لتقريب وجهات النظر وتقييم المراكز القانونية لطرفي النزاع تحت غطاء من السرية.
تنقسم الوساطة إلى ثلاثة أنواع وهي على النحو التالي:-

أ-الوساطة القضائية: -
وفي هذا النوع من الوساطة يتم إحالة النزاع إلى القاضي المكلف بالقيام بمهام الوساطة بصفته الوظيفية ويقوم بمهمة الوساطة عدد من قضاة يسمون قضاة الوساطة.
ب-الوساطة الاتفاقية: -وفي هذا النوع من الوساطة يقوم القاضي المكلف بالفصل في نزع بعرض الوساطة على طرفي النزاع وباتفاقهما على إحالة النزاع إلى وسيط، وللقاضي إدارة الدعوى والحكم فيها بعد توصل الوسيط إلى حل للنزاع وهذا ما أخذه به المشرع الجزائري، بحيث أن القاضي ملزم بعرض الوساطة القضائية على الخصوم في جميع المواد باستثناء قضايا شؤون الأسرة القضايا العمالية طبقا للمادة 994 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية والقاضي هو من يعين الوسيط من جدول الوسطاء العاملين بدائرة اختصاص المجلس القضائي.
ج-الوساطة الخصوصية:وفي هذا النوع من الوساطة يتم إحالة النزاع إلى وسيط خصوصي من ضمن جدول الوسطاء الذين يتم تعيينهم من وزير العدل يختارهم من بين القضاة المتقاعدين والمحامين والمهنيين المشهود لهم بالحيد والنزاهة ضمن شروط ومعايير يحددها وزير العدل.
والملاحظ ان المشرع الجزائري لم يأخذ بالوساطة القضائية ولا بالوساطة الخصوصية وفضل الوساطة الاتفاقية.

الفرع الثالث: استحداث الوساطة في الجزائر

المشرع الجزائري إنما استحدث هذه البدائل سعيا منه للحد من حجم المنازعات التي باتت تثقل كواهل القضاء وتؤثر على مردود الأحكام النوعي بالتقليص منها وحلها بهذه بالبدائل ما أمكن. كما كان يهدف إلى سرعة الفصل في المنازعات واجتناب إطالة أمدها بالأخذ والرد وبالطعون التي يمكن ان تلحق الأحكام الصادرة فيها متى كانت قابلة للحل بالطرق البديلة المتمثلة في الصلح والوساطة باعتبارهما من أساس عقيدة ودين المجتمع الجزائري المسلم ومن عاداته وتقاليده العريقة، فالعقلية الجزائرية كثيرا ما تفضل الاحتكام إلى هذه الطرق لفض المنازعات سواء بالمجالس العائلية او بالجماعة او ما يصطلح عليه في بعض مناطق الوطن تاربعت او تاجمعت.
كما يمكن أن يستخلص من نية المشرع أنه قد لجأ إلى استحداث هذه البدائل للمحافظة على كيان المجتمع بتجنيبه الأحقاد والضغائن التي قد تنشأ عن المنازعة القضائية بدليل أنه كان قد نص في التعديل الأخير لقانون العقوبات على طرق مشابهة لإنهاء الدعوى العمومية في الجرائم المتعلقة بالأسرة وبشرف واعتبار الأشخاص وحرمة الحياة الشخصية، وبعض المخالفات التي لا تشكل إخلالا خطيرا للنظام العام.
والمشرع الجزائري إنما لجأ إلى تقنين هذه البدائل مواكبة لحركة المجتمع وتطوره وتماشيا مع ما تفرضه الاتجاهات الجديدة للتشريع الإجرائي الجزائري

المطلب الثاني: الأساس التشريعي للوساطة القضائية وشروط تعيين الوسيطسوف نتطرق في هذا المطلب الى التقنين الذي استحدثه المشرع الجزائري المتمثل في الوساطة القضائية وهذا في أكثر من مادة من مواد قانون الإجراءات المدنية والإدارية كما نتطرق الى شروط تعيين الوسيط القضائي.

الفرع الأول: الأساس التشريعي للوساطة القضائية: …
تبنى التشريع القضائي الجزائري نظام الوساطة القضائية من خلال القانون 08 - 09 المؤرخ في 25 - 02 - 2008 المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية في الكتاب الخامس منه تحت عنوان الطرق البديلة لحل النزاعات وفي الفصل الثاني من الباب الأول الوساطة ونص عليها في 12 مادة من 994 - 1005.وتضمنت نصوصها …:
المواد: 994،995،996 مجال إعمال الوساطة ومدته …
المواد: 997،998 أشخاص الوساطة وشروط الوسيط …
المواد: 999، 1000، 1001، 1002 إجراءات سير الوساطة … …
المواد: 1003،1004،1005 سند الوساطة وواجبات الوسيط.
… كما حدد المشرع في المادة 996 مدة الوساطة بثلاثة أشهر قابلة للتجديد لنفس المدة مرة واحدة بطلب من الوسيط أذا ما اقتضى عمله ذلك شرط موافقة الخصوم والسلطة التقديرية للقاضي في التمديد.
- الفرع الثاني: الشروط الواجبة في الوسيط:
المرسوم 09 - 100 المؤرخ في 10 - 03 - 2009 حدد كيفيات وشروط تعيين الوسيط القضائي واشتمل على 16 مادة
أ-الشروط الموضوعية… يمكن ان تسند الوساطة إلى شخص طبيعي كما يمكن ان تسند إلى جمعية، وعندما تسند إلى هذا الأخيرة يقوم رئيسها بتعين أحد أعضائها بتنفيذ الإجراء باسمها ويخطر القاضي بذلك.
ويجب أن تتوفر في الشخص الطبيعي المكلف بالوساطة فضلا عن حسن السلوك الاستقامة الشروط التالية:
- أن لا يكون قد تعرض إلى عقوبة عن جريمة مخلة بالشرف
- أن لا يكون ممنوعا من ممارسة حقوقه المدني
- أن يكون مؤهلا بالنظر في المنازعة المعروضة عليه
- أن يكون محايدا ومستقلا في ممارسة الوساطة.
… ونصت المادة 998 المتضمنة كيفية تعين الوسيط وشروطه على ان كيفيات تطبيقها ستحدد لاحقا عن طريق التنظيم.
والوساطة عكس الصلح فهي إجراء وجوبي على القاضي القيام بطرحها على الخصوم في الجلسة الأولى، وهي جائزة في جميع المواد باستثناء قضايا شؤون الأسرة والقضايا العمالية على اعتبار أن لها إجراءات خاصة بها.
كما أنها لا تجوز في كل ما من شأنه أن يمس بالنظام العام والوساطة يمكن ان تمتد إلى النزاع كله كما يمكن أن تنصب على جزء منه فقط
ب- الشروط القانونية:
ـ أن تصدر في شكل أمر يقضي بتعيين الوسيطـ أن يتضمن الأمر موافقة الخصوم أن يتضمن الأمر تحديد الآجال الأولى الممنوحة للوسيط للقيام بمهمته وأن يتضمن تاريخ رجوع القضية إلى الجلسة. وإجمالا وحسب نص المادتين 2 و3يمكن حصر الشروط الواجب توفرها في الوسيط فيما يلي:
- يمكن لكل شخص طبيعي أن يكون وسيطا إذا توفرت لديه* النزاهة والكفاءة والقدرة على حل النزاعات بالنظر إلى المكانة الاجتماعية * ألا يكون قد حكم عليه بسبب جناية أو جنحة باستثناء الجرائم غير عمدية * قد حكم عليه كمسير بجنحة الإفلاس ولم يرد اعتباره

الفرع الثالث: صلاحيات الوسيط والتزاماته:

عندما ينطق بالأمر القاضي بتعيين الوسيط يقوم أمين الضبط بتبليغ نسخة منه للخصوم وللوسيط وعلى هذه الأخير أن يخطر القاضي دون تأخير بقبوله مهمة الوساطة ويستدعي الخصوم إلى أول لقاء للوساطة ….
يجوز للوسيط بعد موافقة الخصوم سماع كل شخص يقبل سماعه ويرى في سماعه فائدة لتسوية النزاع ….
في حالة الاتفاق يحرر الوسيط محضرا يضمنه محتوى الاتفاق ويوقعه مع الخصوم
يلتزم الوسيط بحفظ السر إزاء الغير وأن يخبر القاضي بما توصل إليه الخصوم من اتفاق أو عدمه.

المطلب الثالث: أعمال الوسيط القضائي ورقابة القاضي للوساطة ودور أمين الضبط:
الفرع الأول: أعمال الوسيط القضائي:

…يقوم الوسيط بالاجتماع مع أطراف النزاع وتحديد أجندة عمل لهم قائمة على تلخيص النزاع القائم بينهم وتنظيم عملية تبادل وجهات النظر على نحو يسهل سير عملية الوساطة وصولا للغاية المرجوة منها.
…أو يقوم الوسيط بالاجتماع بكل طرف من طرفي النزاع على حدى لتقييم مركزه القانوني وإبداء رأيه المتوقع بالنسبة لقضيته وذلك من خلال استعراض النصوص القانونية والاجتهادات القضائية في هذا الخصوص، وهنا تكمن أهمية إن
…يكون الوسيط ذو خبرة علميه وعمليه تمكنه من تقييم المراكز القانونية بأسلوب مقنع يحافظ على الثقة والحيادية، وهذا يتطلب بالإضافة إلى الخبرة العلمية والعملية الإلمام بالمهارات التدريبية والأساليب الفنية المستخدمة في التعامل مع الأطراف.
…كما ان المشرع الجزائري لم يجبر الوسيط الى اتخاذ سبل محددة او طرق يتبعه الأجل إنجاح وساطته.
…إنما يجوز للوسيط بعد موافقة الخصوم سماع كل شخص يقبل ذلك، ويرى في سماعه فائدة لتسوية النزاع، ويخطر القاضي بكل الصعوبات التي تعترضه في مهمته هذا ما نصت عليه المادة 1001 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

الفرع الثاني: رقابة القاضي على اعمل الوسيط ودور أمين الضبط في مراحل الوساطة


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
SaNfOr
-


صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


مُساهمةموضوع: رد: مذكرة الطرق البديلة لفض النزاعات الصلح والوساطة القضائية والتحكيم   الأحد 29 مارس - 2:25

… ان دور أمين الضبط مرتبط بكل تصرف قانوني يقوم به القاضي بمجرد النطق بالأمر القاضي بتعيين الوسيط، يقوم أمين الضبط بتبليغ نسخة منه للخصوم والوسيط المادة 1000 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
…ويمكن للقاضي في أي وقت إنهاء الوساطة بطلب من الوسيط أو الخصوم كما يمكن له إنهائها تلقائيا عندما يتبين له استحالة السير الحسن لها. يجب في جميع الحالات ان ترجع القضية إلى الجلسة ويستدعى الوسيط والخصوم عن طريق أمانة الضبط.
يجب أن ترجع القضية للجدول بالتاريخ المحدد لها مسبقا من قبل القاضي.
تثبيت الاتفاق:عندما يتوصل الوسيط إلى اتفاق يحرر محضرا بمحتوى ذلك الاتفاق يوقعه مع الخصوم، وبعد رجوع القضية للجدول يقوم القاضي بالمصادفة على محضر الاتفاق بموجب أمر غير قابل لأي طريق من طرق الطعن
آثار الوساطة:
لا يترتب عن الوساطة تخلي القاضي عن القضية وبالتالي يمكنه اتخاذ أي تدبير يراه ضروريا في أي وقت.
في حالة نجاح الوساطة يعد محضر الاتفاق بعد المصادقة عليه من القاضي سندا تنفيذيا ويسود نفس حجية الحكم القضائي طبقا لنص المادة600 فقرة 08 والمدة 1004 من القانون 09/ 08 ….

المبحث الثاني: فوائد الوساطة ومبرراتها ومميزاتها ومقارنة بين الوساطة والصلح.

… في هذا المبحث نتعرض إلى فوائد ومميزات الوساطة القضائية بالنسبة للأطراف وكذا المجتمع من إسراع في فض النزاع والتقليل من أتعاب التقاضي بالإضافة إلى ترك حبل الود قائم بينهم وفوائد أخرى لا تقل أهمية، كما نضع مقارنة بين الوساطة والصلح.

المطلب الأول فوائد الوساطة ومبرراتها ومميزاتها ومقارنتها بالصلح:
الفرع الأول فوائد الوساطة ومبرراتها:

للوساطة كأحد الحلول البديلة لفض المنازعات عددا من الفوائد والمبررات التي جعلتها من أكثر الحلول البديلة فعالية في فض المنازعات وتتمثل هذه الفوائد والمبررات بمايلي:-
1 - الخصوصية:-تكفل الخصوصية محافظة طرفي النزاع على خصوصية النزاع القائم بينهما بعيدا عن إجراءات العلنية التي تتسم بها إجراءات المحاكمة القضائية اذ انه في كثير من الأحيان يفضل طرفا النزاع حل النزاع العالق بينهما بعيدا عن إجراءات المحاكمة العلنية وهنا تكمن فأئدة الوساطة في المحافظة على تلك الخصوصية مما يشجع الأطراف المتنازعة على اللجوء إلى ذلك النظام.
2 - محدودية تكاليف الوساطة مقارنه بتكاليف المحاكمة:-
تتسم الوساطة بأنها ذا تكلفة مادية اقل من كلفة التقاضي إذ أن اللجوء للمحاكم من شأنه أن يكبد الأطراف مصاريف ورسوم ونفقات يمكن تجنبها من خلال اللجوء إلى نظام الوساطة، ذلك أن إجراءات المحاكمة تتطلب وقتا أطول من إجراءات الوساطة فالنزاع ومن خلال الوساطة يمكن تسويته في الغالب بجلسة أو بجلستين في حين أن إجراءات المحاكمة تتطلب وقتا زمنيا أكثر من ذلك وما ستتبعه من رسوم ومصاريف ونفقات وجهد يمكن تفاديه باللجوء إلى نظام الوساطة، فالوساطة توفر الوقت والجهد والرسوم والمصاريف والنفقات.
3 - ملائمة مواعيد جلسات الوساطة ومكانها لطرفي النزاع
4 ـ تحقيق مكاسب مشتركة لطرفي النزاع ذلك أن التسوية النهائية في الوساطة تكون قائمة على رضا طرفي النزاع والحل تم التوصل إليه بإرادتهما الحرة ويكون قائما على تحقيق مكاسبهما ومصالحهما المشتركة.
5ـ الحلول الخلاقة التي تتسم بها نتيجة الوساطة وذلك بالوصول إلى حلول غير اعتيادية قائمة على أساس الحقوق القانونية والوقائع والمصالح المشتركة دون الاقتصار على الحقوق القانونية التي تعتمد عليها الأحكام القضائية.6ـ المحافظة على العلاقات الودية والمصالح المشتركة بين طرفي النزاع اذ ان من شأن تسوية النزاع بين الخصوم عن طريق الوساطة التوصل لحل يرضي طرفي النزاع محقق لمصالحهما المشتركة وإبقاء المجال مفتوحا بين طرفي النزاع في استمرار وتطوير العلاقات المتبادلة بينهما، في حين ان نتيجة الخصومة القضائية تفضي في الغالب إلى قطع مثل هذه العلاقات.
7 ـ التوصل إلى اتفاق متين بين طرفي النزاع وتتمثل هذه الفائدة في ان الاتفاق الذي يتم التوصل إليه من خلال عملية الوساطة يكون من صنع الخصوم وبمساعدة الوسيط ومن ثم فان متانة هذا الاتفاق وطبيعة التوصل إليه تؤدي إلى سرعة تنفيذه على عكس الأحكام القضائية التي قد يتطلب تنفيذها وقتاً زمنياً وإجراءات لدى الجهات المختصة تتسم بالجبرية أحيانا.

الفرع الثاني- مميزات الوساطة
تتميز الوساطة كأحد الحلول البديلة لفض المنازعات بعدد من السمات تجعلها أكثر فعالية من غيرها من النظم البديلة لفض المنازعات وتتمثل هذه السمات بمايلي:-
01 السرية:-
…تتسم إجراءات الوساطة بالسرية وتعتبر هذه الميزة ضمانه هامه من ضمانات الوساطة إذ أن من شان السرية تشجيع الأطراف على حرية الحوار والإدلاء بما لديهم من أقوال وإفادات وتقديم التنازلات في مرحلة المفاوضات بحرية تامة دون أن يكون لذلك حجية أمام القضاء أو أي جهة أخرى فيما لو فشلت مساعي الوساطة وهذا الأمر من شانه أن يساعد الوسيط على تقريب وجهات النظر بين طرفي النزاع بغية التوصل لتسوية النزاع.
وقد أخذ المشرع الجزائري بهذه الميزة إذ ألزمت المادة 1004 من قانون الإجراءات المدنية الوسيط بحفظ السر إزاء الغير.2 ـ السرعة: ـ تكفل الوساطة استغلال الوقت والحصول على حلول سريعة حيث ان أغلب المنازعات محل الوساطة يستغرق تسويتها من ساعتين إلى أربع ساعات ونادراً ما تحتاج إلى وقت أطول من ذلك وهذا يعتمد على مهارات الوسيط والأساليب المستخدمة من قبله وقدرته العلمية والعملية في تقييم المراكز القانونية لطرفي النزاع وما يتمتع به من ثقة لدى أطراف النزاع وتمكنه من إيجاد مناخ يشعر الأطراف بقدرة الوسيط على إيجاد سبل ناجعة للتفاوض في جو ودي بعيداً عن مظاهر الرسمية التقليدية.
وقد اخذ المشرع الجزائري بهذا المبدأ طبقا للمادة 996 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية ((لا يمكن أن تتجاوز مدة الوساطة ثلاثة (3) أشهر. ويمكن تجديده ا لنفس المدة مرة واحدة بطلب من الوسيط عند الاقتضاء، بعد موافقة الخصوم.))

3 ــ حرية الانسحاب واللجوء للتقاضي: فالوسيط لا يستطيع إلزام الفرقاء بتسوية النزاع بطريق الوساطة ولكن يتعين عليه أن يبذل قصارى جهده وأن يستخدم أساليب الاتصال الفعالة وصولا إلى تسوية النزاع كليا أو جزئيا حسب مقتضى الحال.

الفرع الثالث: مقارنة بين الوساطة والصلح.
و نعرض لهذه المقاربة بين الصلح والوساطة من حيث أوجه الشبه والاختلاف
1 - أوجه الشبه
- كلاهما له أثر منهي للخصومة إذا ما تم نجاحهما
- كلاهما لهما نفس حجية الحكم القضائي
- كلاهما سند تنفيذي
2 - أوجه الاختلاف:
- الوساطة إجراء وجوبي
- الصلح إجراء جوازي
- الوساطة تسند إلى شخص طبيعي أو جمعية يسمى الوسيط
- الصلح يمكن أن يعرضه الخصوم او يتم بسعي من القاضي- الوساطة مدتها 03 أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة و لنفس المدة (أي لِ 03 أشهر أخرى)
- الصلح غير مقيد بمدة معينة
- على القاضي القيام بها في الجلسة الأولى (الوساطة)
- الصلح يمكن اللجوء إليه في أي مرحلة كانت فيها الدعوى
- الوساطة تتناول الموضوع كليا أو جزء منه
- الصلح يتناول الموضوع ككل
- الوساطة مقيدة (تستثنى منها مادة الأحوال الشخصية والمادة الاجتماعية وكل ما من شأنه المس بالنظام العام)
- الصلح غير مقيد بمادة معينة
- الوساطة تثبت في محضر يوقعه الوسيط والخصوم يصادق عليه بأمر قضائي غير قابل للطعن
- الصلح يثبت في محضر يوقع عليه الخصوم والقاضي وأمين الضبط
- الوساطة سند تنفيذي بعد المصادقة عليه بالأمر القضائي
- محضر الصلح سند تنفيذي بمجرد التأشير عليه وإيداعه

الفصل الثالث: التحكيم

تمهيد

التحكيم هو أقدم الوسائل التي ابتكرها الإنسان لفض ما قد ينشأ بينه وبين أقرانه من منازعات وأبرز دليل على أقدمية التحكيم ودوره في حل الخلافات. في السيرة النبوية ما يدل على وجود نظاما لتحكيم قبل الرسالة المحمدية حيث احتكم أهل قريش إلى الشاب الورع محمد بن عبد الله في واقعة حمل الحجر الأسود، فكان أن خلع قميصه ووضع عليه الحجر وجعل ممثلي قبائل قريش جميعا يحملون طرفا من القميص فجنبهم بذلك الخلاف الذي نشب بينهم حول أيهم أحق بحمل الحجر الأسود.

…ولما بعث الرسول عليه الصلاة والسلام نزل قوله تعالى "بلى لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما " الآية 65 سورة النساء.…وقد يختلط التحكيم كوسيلة لفض المنازعات بالوساطة هذه الأخيرة لا تستهدف فض النزاع بحكم حاسم بل الحصول على توافق الأطراف المتنازعة على الحل المقبول منهما وتجد مثالا لذلك في القرآن الكريم في حالة الشقاق بين الزوجين "وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهلها وحكما من أهله أن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما.

…وإذا كان الأمر كذلك منذ بدايات البشرية، فالأمر لا يختلف في العصر الحديث حيث ارتضت المجتمعات المتحضرة التحكيم كأسلوب لفض المنازعات وضمنته تشريعاتها بل وأسبغت على أحكامه صبغة "الحكم" وألزمت الأطراف المتنازعة باحترامه.

…****************************

المبحث الأول: ما هو التحكيم، مفهومه تطوره وإجراءاته:

إن التحكيم كنظام لم يكن وليد الصدفة بل على العكس تماما لذا ارتأينا أن نتطرق إلى مفهومه ثم تطوره ونطاقه.

المطلب الأول: مفهوم التحكيم وتطوره:

للوقوف على مفهوم التحكيم يتعين علينا ابتداء أن نعطي له تعريفا، ثم نبين أساس مشروعيته وبعد ذلك تمييزه عن بعض النظم المشابهة له.

الفرع الأول: تعريف التحكيم ومشروعيته:
أ- لغة:
…التحكيم مشتق من حكم يحكم والحكم القضاء وحاكمه دعاه وخاصمه (1).وفوض الحكم أليه وفي التّنزيل العزيز: {فلا وربِّك لا يُؤْمنونَ حتّى يُحَكِّمُوك فيما شَجَرَ بينهم} الآية 65 سورة النساء.
فالتحكيم لغة هو تفويض الحكم للغير في شأن ما.
ب- اصطلاحا:
…لم يخرج فقهاء القانون عن التعريف اللغوي للتحكيم، فعرف على أنه:
" الاتفاق على طرح النزاع على شخص أو أشخاص معينين ليفصلوا فيه دون المحكمة المختصة" (2).كما عرف على أنه:" نظام لتسوية المنازعات عن طريق أفراد عاديين يختارهم الخصوم أما مباشرة أو عن طريق وسيلة أخرى
ج- مشروعية التحكيم:
… إن التحكيم كنظام مشروع في الأنظمة المعاصرة بتنظيمها لهو الاعتراف للأفراد بحق اللجوء إليه دون قضائها العام، وبتحديدها للمنازعات التي يجوز التحكيم فيها ولكافة القواعد الموضوعية والإجرائية المنظمة للتحكيم وخصومته (3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفيروز بادي القاموس المحيط، ط 3 (مصر)، 1301 ه، 4/ 97.
(2) أحمد أب والوفاء، عقد التحكيم وإجراءاته، ط2،مصر الإسكندرية، منشأة المعارف، 1974،ص 15.
(3) عبد الفتاح مراد، شرح تشريعات التحكيم الداخلي والدولي، مصر 1996 ص 20

وعلى هذا فكلّ من التّحكيم والقضاء وسيلة لفضّ النّزاع بين النّاس وتحديد صاحب الحقّ، ولهذا اشترط الفقهاء في كلّ منهما صفات متماثلةً. كما سنرى لاحقا.
إلاّ أنّ بينهما فوارق جوهريّة ًتتجلّى في أنّ القضاء هو الأصل في هذا المقام، وأنّ التّحكيم فرع، وأنّ القاضي هو صاحب ولاية عامّة، فلا يخرج عن سلطة القضاء أحد، ولا يستثنى من اختصاصه موضوع. أمّا تولية الحكم فتكون من القاضي أو من الخصمين وفق الشّروط والقيود الّتي توضع له، مع ملاحظة أنّ هناك أمورا ًليست محلا للتّحكيم، كما سنرى.
…التّحكيم مشروع. وقد دلّ على ذلك الكتاب والسّنّة والإجماع.
…أمّا الكتاب الكريم فقوله تعالى: {وإنْ خِفْتُم شِقَاقَ بينهما فابْعَثُوا حَكَمَاً من أهلِه وحَكَمَاً من أهلِها، إنْ يُرِيدا إصلاحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بينهما} سورة النساء الآية 35.قال القرطبيّ: إنّ هذه الآية دليل إ ثبات التّحكيم.
…وأمّا السّنّة المطهّرة، " فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رضي بتحكيم سعد بن معاذ رضي الله عنه في أمر اليهود من بني قريظة، حين جنحوا إلى ذلك ورضوا بالنّزول على حكمه ". " وإن ّرسول اللّه صلى الله عليه وسلم رضي بتحكيم الأعور بن بشامة في أمر بني العنبر، حين نهبوا أموال الزّكاة ".
وبناءً على ذلك ذهب الكثير من الفقهاء إلى جواز التّحكيم.

الفرع الثاني: تطور التحكيم في التشريعات الحديثة:

إن التشريعات الحديثة لم تتخل عن التحكيم نتيجة ازدهار جهاز القضاء، بل طورته لأنه السبيل الأمثل لمسايرة تطورات في عدة مجالات لاسيما التجارة الدولية ويتجلى لنا ذلك من خلال التشريعات اللاتينية ذات المصدر الروماني وبقية ا لتشريعات الأخرى.
ففي فرنسا ولوقت طويل ظل التحكيم نقطة تصادم بين الملك والبرلمان، ذلك أن الملك كان يشجعه كنظام للفصل في الخصومات إلا أن البرلمان كان يحاول الوقوف دون ذلك خوفا من أن يكون أداة لسلب اختصاصه القضائي. وظل الصراع قائما رغم التطورات والمراحل التي مر بها نظام التحكيم إلى غاية سنة 1980 أين صدر مرسوم متعلق بالتحكيم الداخلي ومرسوم أخر عام 1981 متعلق بالتحكيم الدولي وبصدور المرسومين أقر رسميا التحكيم النظامي كما أقرت أنظمة المراكز الدائمة للتحكيم (1).
وكغيرها من دول الغرب فان الدول العربية هي الأخرى عملت على تطوير وتنظيم التحكيم فعالجته مصر لأول مرة سنة 1883 بموجب الأمر الصادر في 13 نوفمبر1883وتواصلت التعديلات إلى غاية إصداره القانون مستقل خاص بالتحكيم في المواد التجارية والمدنية كان ذلك عام 1994.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - ناريمان عبدالقادر, اتفاق التحكيم وفق القانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية, مرجع سابق, ص 39.40.أما في بريطانيا فقد تم وضع أول تنظيم إجمالي للتحكيم سنة 1889 بموجب قانون التحكيم وعقب جملة من التعديلات التدعيمية أصدر قانون 1950 وعدل هذا القانون سنة 1979 الذي قلص من سلطة الرقابة والإشراف على الإجراءات التحكيمية التي كانت المحاكم تتمتع بها، أما في الولايات المتحدة الأمريكية فان نظام التحكيم هو جزء من القانون الفيدرالي وذلك لأنه من العناصر ذات العلاقة بالإطار الخارجي أو بالحركة التجارية ما بين الولايات المتحدة وغيرها (1).

الفرع الثالث: تطور التحكيم في التشريع الجزائري:

في الجزائر أول نص تشريعي قنن التحكيم كان بمقتضى قانون الإجراءات المدنية الصادر بموجب الأمر 66 - 154في الكتاب الثامن من المادة 442 الى454.
أما على صعيد التحكيم الدولي فطبعته مرحلتان:- مرحلة معارضة اللجوء إلى التحكيم التجاري الدولي ومرحلة الانفتاح عليه ففي السنوات الأولى لحصولها على الاستقلال أبدت رفضها للتحكيم صراحة، حيث تنص المادة 442/ 3 من الأمر رقم 66/ 154 المتضمن قانون الإجراءات المدنية أنه" لا يجوز للدولة وللأشخاص الاعتباريين أن يطلبوا التحكيم.
وبعدها انفتحت الجزائر على التحكيم التجاري الدولي من خلال إلغاء المادة 442/ 3 من قانون الإجراءات المدنية وإصدار المرسوم التشريعي 93/ 09 المتضمن تنظيم الأحكام الخاصة بالتحكيم التجاري الدولي وإصدار قانون الاستثمار 93/ 12 الذي أخضع النزاعات الناشئة بين المستثمر الأجنبي وسلطات الدولة الجزائرية للتحكيم التجاري الدولي، وانضمت إلى اتفاقية واشنطن لسنة 1965 الخاصة بإنشاء المركز الدولي لتسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمارات بين الدول ورعايا الدول الأخرى.وعند تصفحنا الى قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الحديث نلاحظ بان المشرع الجزائري خصص بابا كاملا لموضوع التحكيم من المادة 1006 الى المادة 1061 و تطرق بالتفصيل الى التحكيم، ووضع التحكيم بالكتاب الخامس كحل من الحلول البديلة لفض النزاعات، واعتبرت هذه المواد عند رجال القانون كقانون للتحكيم في الجزائر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - عبد الحميد الأحدب, التحكيم الدولي أحكامه ومصادره , ط 1 , لبنان بيروت مؤسسة نوفل ,1990 , ص 190

المطلب الثاني: اتفاق التحكيم وإجراءات التحكيم وكيفية تعيين المحكمين:
مهما تعددت النظريات حول تحديد طبيعة التحكيم فانه من الثابت أن التحكيم أقرته الشريعة الإسلامية وأخذت به الكثير من القوانين الوضعية إنما اختلفت التوجهات في طريقة الأخذ به فهو أيضا طريق للفصل في النزاعات بجانب القضاء والصلح والوساطة

الفرع الأول: اتفاق التحكيماتفاق التحكيم هو العقد المكتوب المبرم بين طرفي الخصومة بموجبه يتفق الاطراف بعرض نزاع تم نشؤه على التحكيم المادة 1011 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية وهنا تنتقل الصفة القضائية للمحكم بمجرد اتفاق الطرفين وتسليم المحكم عقد الاتفاق المرفق بمستندات القضية، وله أن يباشر الفصل الخصومة بإجراءات التبليغ واستدعاء من هو في حاجة إلى استدعائه على الرغم من القانون لم يتطرق إلى هذه الإجراءات إلا أننا نراه من الإجراءات العادية في أي دعوى، وعليه التحكيم يبدءا باتفاق الأطراف باللجوء إليه وينتهي بحكم له نفس حجية الشيء المقضي بمجرد صدوره وينفذ بنفس طريقة تنفيذ الأحكام القضائية المادة 1031 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، فهو يخضع للقواعد العامة من حيث انعقاده وبطلانه، كما يخضع لقانون الإجراءات المدنية والإدارية من حيث أثاره وتنفيذه وإجراءاته.

الفرع الثاني: تعيين المحكم:
المحكم قاضي وليس ممثلا أو وكيلا للخصوم فتعيينه يتطلب توفر شروط معينة كالكفاءة والحياد والنزاهة لان المحكم يخضع في رده عن الحكم لنفس الأسباب التي يرد بها القاضي ويصدر أحكامه بناء على أرادته المستقلة.
…ان الاتفاق المبرم يتضمن أسماء المحكمين وكيفية تعيينهم وهنا يباشرون المحكمين النظر في الدعوى وهم ملزمون بالتقيد بالإجراءات التي يحددها نظام التحكيم، فالمحكم لا يخضع إلى إرادة الخصوم وحده بل هو ملزم باحترام نظام التحكيم والتي قد تسبب مخالفته بطلان حكم المحكم.
يجب على كل طرف تقديم دفاعه ومستنداته قبل انقضاء أجل التحكيم بخمسة عشر (15) يوما على الأقل، وإلا فصل المحكم بناء على ما قدم إليه خلال هذا الأجل.
وتتشكل محكمة المحكمين من محكم فرد او من عدة محكمين بعدد فردي لكونها تصدر أحكامها بأغلبية الأصوات المادة 1026 من قانون الإجراءات المدنية.
الفرع الثالث: انتهاء دور المحكمينتهي دور المحكم اذا اصدر حكما باتا في النزاع كما عددت المادة 1024 الحالات التي ينتهي فيها التحكيم بأربع حالات هي:
1ـبوفاة أحد المحكمين أو رفضه القيام بمهمته بمبرر أو تنحيته أو حصول مانع له، مالم يوجد شرط مخالف، أو إذا اتفق الأطراف على استبداله أو استبداله من قبل المحكم أو المحكمين الباقين. وفي حالة غياب الاتفاق تطبق أحكام المادة 1009 أعلاه،
2 - بانتهاء المدة المقررة للتحكيم، فإذا لم تشترط المدة، فبانتهاء مدة أربعة (4) أشهر،
3 - بفقد الشيء موضوع النزاع أو انقضاء الدين المتنازع فيه،
4 - بوفاة أحد أطراف العقد.

المبحث الثاني: الأحكام الصادرة عن المحكمين تمييز التحكيم عن القضاء والصلح و الوسائل الأخرى لفض النزاعات:

تصدر عن المحكم أحكام حدد لها القانون شكلها والبيانات التي يتعين أن يتضمنها الحكم، هذا ما سوف نتطرق إليه في المطلب الأول، كما نحاول أن نميز بين التحكيم والوسائل الأخرى لفض النزاعات وخصائصه في المطلب الثاني لهذا المبحث.

المطلب الأول الأحكام الصادرة عن هيئة التحكيم

سمى المشرع الجزائر السند الذي يصدر عن هيئة التحكيم بالحكم كما اشترط على هذا الحكم أن يتضمن بيانات خصصنا له الفرع الأول من هذا المطلب، وكما ذكرنا سابقا بإنه لا يمكن تفعيل الأحكام التحكيمية مالم تنفذ، هذا ما سنتطرق إليه في هذا الفرع الثاني من نفس المطلب، إضافة إلى إمكانية الطعن في هذه القرارات من عدمه وذلك من خلال الفرعين التاليين.

الفرع الأول: أحكام التحكيم
اوجب المشرع على هيئة التحكيم أن تصدر أحكامها في سرية وبأغلبية الأصوات على أن تتضمن هذه الأحكام البيانات التالية:
1 - اسم ولقب المحكم أو المحكمين،
2 - تاريخ صدور الحكم،
3 - مكان إصداره،
4 - أسماء وألقاب الأطراف وموطن كل منهم وتسمية الأشخاص المعنوية ومقرها الاجتماعي،5 - أسماء وألقاب المحامين أو من مثل أو ساعد الأطراف، عند الاقتضاء.
الفرع الثاني تنفيذ القرارات التحكيمية ودور أمين الضبط في ذلك
نجد أن القاعدة العامة تقول بأن القرار التحكيمي غير قابل للتنفيذ إلا بأمر صادر عن رئيس الجهة القضائية المختصة موضوعيا وإقليميا بالنزاع وهذا ما نصت عليه المادة600 الفقرة 09 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أن:" لا يجوز التنفيذ الجبري إلا بسند تنفيذي منها. أحكام المحكمين لا يجوز تنفيذها إلا بأمر يصدره رئيس الجهة القضائية بذيل أو بهامش الحكم ويتضمن الإذن لآمين الضبط بتسليم نسخة رسمية منه ممهورة بالصيغة التنفيذية".
حيث يحفظ أصل القرار في كتابة ضبط المحكمة ويمنح نسخ تنفيذه للأطراف قصد إتمام عملية التنفيذ لكن بالرجوع إلى قانون 90/ 02 المتعلق بنزعات العمل وبالضبط المادة 13 منه نجدها تخرج عن هذه القاعدة العامة بحيث تنص الفقرة الثانية منها على أن " قرار التحكيم يفرض نفسه على الطرفين الذين يلتزمان بتنفيذه " فمن خلال هذه الفقرة نستخلص أن قرار التحكيم لا يحتاج إلى ترخيص صادر عن رئيس الجهة القضائية المختصة نظرا لطبيعة وخصوصية المنازعة العمالية، فنجد هنا المشرع ميز التحكيم في نزاعات العمل الجماعية بحيث أعطى الشكل النهائي والتنفيذي لقرار التحكيم عكس ما هو موجود في التحكيم التجاري والاقتصادي المنصوص عليه في قانون إجراءات المدنية والذي يشترط إمهاره بالصيغة التنفيذية.نجد أن التشريع الجزائري يتفق مع الفرنسي بحيث يفرق هذا الأخير بين التحكيم الحر في قانون الإجراءات المدنية والإدارية والذي يصدر حسبه قرار التحكيم خال من الصيغة التنفيذية ولا يكتسبها إلا بواسطة أمهاره بها على عكس التحكيم الحر في مادة منازعات العمل فالقرار التحكيمي ليس له صيغة تنفيذية لكن مشبه بعقد بين الأطراف فلديه قوة إلزامية أكثر منها قوة تنفيذية ولا يحتاج بذلك إلى صيغة تنفيذية، لكن التشريع المصري يلزم إمهار قرار التحكيم في نزاعات العمل الجماعية بالصيغة التنفيذية من كتابة ضبط المحكمة المختصة.

الفرع الثالث الطعن في قرارات التحكيم
بالرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية والإدارية نجد انه خصص الفصل الرابع من الباب الثاني المتعلق بالتحكيم لطرق الطعن في أحكام المحكمين، وهذا بطريق اعتراض الغير الخارج عن الخصومة، ولا يجوز الطعن بالمعارضة في الحكم التحكيمي، لكن يجوز الطعن فيه بالاستئناف في مهلة شهر واحد يبدأ من يوم النطق به أمام المجلس القضائي الذي صدر بدائرة اختصاصه الحكم التحكيمي، لكن بالرجوع إلى قانون 90/ 02 المتعلق بنزاعات العمل، نجد أنه قد نص في المادة 13 منه على انه تطبق على التحكيم في منازعات العمل الجماعية المواد 442 إلى 454 من قانون الإجراءات المدنية القديم وبالتالي استثنى المواد المتناولة لطرق الطعن في أحكام المحكمين من المادة 455 إلى المادة 458 من نفس القانون، وعليه فإن قرارات التحكيم الصادرة في مجال منازعات العمل الجماعية لا
تخضع لأي طريق من طرق الطعن العادية أو غير العادية، كما أن هذه القرارات ملزمة فقط لأطراف النزاع ولا يمتد أثرها إلى الغير حسب نص المادة 454 من قانون الإجراءات المدنية، وأيضا المادة 13 أوردت صراحة بأن القرار التحكيمي فرض نفسه على الطرفين اللذان يلتزمان بتنفيذه.فمن خلال هذا المطلب نجد بأن قرارات التحكيم الصادرة بخصوص نزاعات العمل الجماعية غير مرتبطة لتنفيذها بأي إجراء أو أمر قضائي كما أنها غير قابلة للاستئناف.
المطلب الثاني تمييز التحكم وخصائصه:
…أن التحكيم نوع من القضاء الثاني يقوم بجوار القضاء العادي الذي تشرف عليه الدولة وتنشئ مؤسساته وكون التحكيم قضاء يتفق عليه المتخاصمين، قد يجعل التحكيم يختلط مع العديد من الوسائل الأخرى لفض النزاعات والتي قد يتفق أطراف النزاع في اللجوء إليها مثل القضاء والوساطة والصلح وهنا قد يطرح التساؤل بين عمل المحكم والوسيط والخبير هذا ما سنتطرق إليه في الأسطر التالية لنفرق بين التحكيم وما يشبهه
الفرع الأول تمييز التحكيم عن القضاء
سمحت الدولة للإفراد أن يلجؤوا إلى التحكيم لفض منازعاتهم إلى جانب القضاء العام، إلا أن ذلك لا يعني أن التحكيم والقضاء نظام واحد إذ أن هناك العديد من الفروق بينهما ومن بينها:- إن الخصوم هم من يختارون المحاكم أو المحكمين الفاصلين في النزاع بينما في القضاء فان القضاة تعينهم الدولة وتتولى توزيعهم على المحاكم المختلفة.
كما أن القاضي يلتزم وهو بصدد الفصل في المنازعة بمراعاة قواعد القانون الموضوعية والإجرائية على حد السواء إذ أن مهمته هي تطبيق القانون في الواقع الاجتماعي بينما لا يلتزم المحكم بذلك في بعض الأحوال فقد يكون مفوض بالصلح وثم لا يلتزم بمراعاة حكم القانون و إنما عليه أن يقرر الحل الملائم لمصلحة الطرفين (1).
إلا أن التمييز بين التحكيم والقضاء لا يعني الفصل المطلق بينهما فقد يوجد المشرع شيئا من التبعية بينهما إذ يجوز اللجوء إلى قضاء الدولة بالطلبات المؤقتة والتحفظية وكل ما تحتاجه إجراءات التحكيم من مساعدة وفي نفس الوقت فان هناك رقابة وإشراف على إجراءات وقرارات التحكيم دون أن يعطل تدخل القضاء عمل المحكمين (2)الفرع الثاني التمييز بين التحكيم والصلح:.
كما يختلف التحكيم أيضا عن الصلح ذلك أن الصلح هو " عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان به نزاعا محتملا، وذلك بأن يتنازل كل منهما على وجه التقابل عن حقه" (3).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمود محمد هاشم، النظرية العامة للتحكيم في المواد المدنية والتجارية، د ط مصر دار الفكر العربي، 1990 ص، 1/ 26
(2) ناريمان عبد القادر، اتفاق التحكيم وفق قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية ـرقم 27 سنة 1994، ط1، القاهرة دار النهضة العربية 1996،ص 59.
(3) المادة 459 من القانون المدني الجزائري

كما يعرف على أنه: " عقد يحسم به أطراف النزاع أو من يمثلونهم الخلاف الحاصل بينهم عن طريق نزول كل منهم على وجه التقابل عن جزء من الحق الذي يطالب به" (1).
ويتضح أن الصلح يتفق مع التحكيم في أن كلاهما يهدف إلى حسم خصومه دون إصدار حكم قضائي، إلا أن هناك اختلافات بين النظامين.
أهمهما أن التحكيم لا ينهي النزاع بمجرد صدور حكم بل يجب أن يكون هذا الحكم قابلا للتنفيذ بإتباع القواعد العامة وبعد الحصول على الأمر بالتنفيذ على خلاف عقد الصلح فهو غير قابل للتنفيذ في ذاته مالم يتم في صورة عقد رسمي أويتم أمام المحكمة.
ومن ناحية أخرى الحكم التحكيمي قابل للطعن أما عقد الصلح فلا يقبل الطعن فيه.
…كما أن التحكيم اشد خطورة من الصلح إذ أن حكم المحكم يحوز حجية الشيء المقضي فيه ويجب تنفيذه قصرا متى أصبح نهائيا، بينما الصلح فهو اقل خطر لمعرفة الخصوم المسبقة ما سوف يتنازلون عنه للطرف الآخر

الفرع الثالث: التمييز بين التحكيم والوساطةأن الوساطة بين أطراف الخصومة يتمثل أن يقوم فرد أو أفراد يتم تعيينهم من طرف القاضي المطروح أمامه النزاع آو بناء على طلب أطراف الخصومة بالتوسط ومحاولة التوفيق بينهم لأنها تلك الخصومة وذلك عن طريق تقديم حل أو اقتراح الهدف منه إنهاء الخصومة مع احتفاظهم بحرية الأخذ بهذا الحل ويسمى الفرد الذي يقوم بهذه المهمة الوسيط وعند نجاح مهمته يقوم بتحرير محضر يوقع عليه الأطراف معلنين نهاية النزاع بعد عرض هذا الصلح على القاضي المكلف بالنزاع
ويتضح مما سبق أن التحكيم لا يتم اللجوء إليه إلا عن طريق اتفاق أطراف الخصومة مع القيام بتحرير وثيقة الاتفاق والتوقيع عليها، كما المحكم عند صدور حكمه يصبح ملزم للأطراف ولا يكون لهم حق مناقشته وعليهم الطعن في الحكم بالطرق التي حددها القانون بعد اتفاق

الفرع الرابع خصائص التحكيم
يتميز التحكيم كنظام قانوني بعدة خصائص تميزه عن القضاء العادي وفيما يلي نذكر أهمها:
أولا: الفصل السريع في القضايا
فالتحكيم يوفر هذه الخاصية بحيث غالبا ما تعقد جلسات التحكيم في أوقات مناسبة لظروف الخصوم، بالإضافة إلى المدد القصيرة للفصل في النزاعات والمحددة قانونا- مثلانجدالمادة1018منقانونالإجراءاتالمدنيةوالادارية تحدد مدة 04أشهرلمهمة المحكمين إذا لم يحدد ميعاد لإصدار قرار التحكيم بدء من تاريخ تعيينهم، أومن تاريخ إخطار محكمة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، ط1، القاهرة، دار النهضة العربية 5/ 513بند 347.التحكيم وهذه المدة، تعد قصيرة حتى مقارنة ببعض القوانين العربية كالقانون المصري الذي يحددها بـ 12 (أثنى عشر) شهرا-نجد أن الأطراف أحرار في اختيار المحكمين وبالتالي مكان التحكيم وحتى في حالة عدم اختيارهم للمحكمين فإن رئيس الجهة القضائية التي أبرم فيها اتفاق التحكيم هو الذي يعين المحكمين، بموجب أمر وهذا كله يساهم في إضفاء نوع من السرعة على نظام التحكيم.
ثانيا: قلة التكاليف
هو تحقيق مصلحة الأطراف في تحمل تكلفة قليلة لحسم المنازعات بينهم والتحكيم يتيح في الغالب ذلك ولا يتطلب رسوما أو أتعاب محامين كتلك التي تدفع عند التقاضي أمام محاكم الدولة (1).
ثالثا: السرية
فتتحقق مصلحة الأطراف في السرية بمعنى تمكينهم من المحافظة على أسرارهم التي تكون لهم مصلحة في عدم إذاعتها، والتحكيم يحقق ذلك بحكم سرية إجراءاته، وهذه الميزة لا يمكن تحقيقها في ظل مبدأ العلانية الذي يعد من أسس التقاضي أمام المحاكم العادية.
رابعا: قيامه على مبدأ الرضائية والقبول
وهذه أهم خاصية للتحكيم أي الرضائية والتي يشترك فيها معا لعقد العقد طبقا للمبدأ القائل "التحكيم يبدأ بعقد وينتهي بحكم".
وتظهر هذه الميزة جليا من خلال تصفحنا لأحكام مواد قانون الإجراءات المدنية المتعلقة بالتحكيم، فنجد أن للأطراف حرية اختيار المحكمين، وإضافة إلى هذا سمي ما يتوصل إليه الأطراف لتعيين المحكمين باتفاق التحكيم و يحصل الاتفاق على التحكيم كتابيا.
لكن رغم أن النصوص المنظمة للتحكيم بها العديد من الضمانات التي تصون التقاضي إلا أن الدولة تحرص على إخضاع التحكيم لرقابة وإشراف قضائها لتدعيم ثقة المتقاضين في التحكيم ومن ثمة تدعيم فاعلية التحكيم فنجد أن الرئيس الأول للمحكمة العليا يتدخل لاختيار الحكم المرجح إذ الم يتفق المحكمان، أيضا إذا لم يعين أطراف عقدالتحكيم المحكمين فإن رئيس الجهة القضائية الواقع بدائرة اختصاصها محلا لعقد يصدر أمره بتعيين المحكمين على عريضة تقدم إليه، وإضافة إلى هذا فإن قرار التحكيم ينفذ بموجب أمر صادر عن رئيس المحكمة التي يكون قرار التحكيم صدر في نطاق دائرة اختصاصها، وهنا طبعا يكون دور أمين الضبط في تلقي قرار التحكيم وتسجيله قبل ان يتخذ صفة الأمر القابل للتنفيذ وكما سبق وان قلنا أن دور أمين الضبط مرتبط ارتباطا وثيقا بالمهام المسندة للقاضي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
…1 قوريشي بن شرقي: مذكرة لنيل شهادة الماجستير -منازعات العمل في نطاق المؤسسة العمومية الاقتصادية- سنة 2001/ 2004 - كلية الحقوق بن عكنون -الجزائر -ص 126.

الخاتمة
جاء في كلمة القاضي الأول في البلاد , فخامة رئيس الجمهورية , بمناسبة افتتاحه للسنة القضائية 2002/ 2003 قوله:? ... فعلى القاضي أن يكون واعيا و مدركا لمسئوليته , ويمكنكم بترجيح الصلح على المقاضاة أن تخففوا من اكتظاظ المحاكم و تيسروا حياة المواطنين الذين يلجؤون إليكم ... ?.
فما أحوجنا إلى الصلح و خاصة في هذا الظرف بالذات , إنه الصلح بأبعاده الأخلاقية والاجتماعية و الاقتصادية , و ما يهمنا هنا هو الصلح كآلية فعالة وأسلوب متميز لإنهاء النزاعات أيا كان طابعها , فقد رأينا أن المشرع جعل من الصلح كأصل عام في المواد المدنية بنص المادة 04 والمواد من 990 الى 993 من قانون الإجراءات المدنية، كم تم تدعيم الصلح بحل بديل أخر للخصوم وهي الوساطة القضائية , و جعل من الصلح استثناءا و في حالات خاصة جدا في المواد الجزائية بنص المادة 6 من قانون الإجراءات الجزائية.إن الهدف الأساس لجهاز القضاء يكمن في تأمين السلام الاجتماعي وتحقيق العدالة، من خلال الوصول إلى حل يكون نتاج إرادة المتقاضين الشخصية بعد انتقالهم من مقاعد الخصوم بقاعة الجلسات العلنية حيث الترقب والتوجس والانتظار، إلى مقاعد الحكم بغرفة المداولة حيث السرية و التحاور لبناء الحيثيات وإصدار القرار، والحلول البديلة لفض النزاعات جاءات بقواعد أخرى منها تهدئة التوترات بين الخصوم، وتوليد لديهم شعورا بالمسؤولية بالإضافة إلى ضمان تنفيذ الحكم لأنهم اختاروا العدالة بأنفسهم بدل الخضوع لها ….
وحصر دور القاضي في رقابة شروط تنفيذ الحلول البديلة لفض النزعات دون التعقيب على الموضوع أو التحقق من عدالته لا يعتبر انتقاصا من سلطته أو تعديا على اختصاصه، وإنما يجعله يقوم بدور رئيسي في إيجاد الحلول البديلة.
ويمكننا تحديد أهمية الحلول البديلة (الصلح، والوساطة، والتحكيم) باعتبارهم أداة قانونية لحسم النزاع بشكل متميز من خلال …:

ــالمساهمة في الحفاظ على الروابط الاجتماعية من خلال خصوصية النزاع وسريته.ـــالحفاظ على المكاسب المشتركة للأطراف على أساس الرضاء بين الاطراف ….
ــتوفير إطار قانوني يضمن التنفيذ التلقائي للاتفاق ….
ــإشاعة ثقافة الحوار والسلم الاجتماعي من خلال مشاركة الأطراف في الحكم ….
ـــتوفير الوقت وتقليص النفقات على الخصوم ….
ــتبسيط الإجراءات ومرونتها وسهولتها …
ومن خلال ما ذكرناه أعلاه، تتضح مدى أهمية الحلول البديلة لفض النزاعات، فالرهان مقبول، ونجاح التجربة رهين بتوعية الفاعلين في الحقل القضائي والقانوني، والمجتمع المدني، و المشاركة الإيجابية لوسائل الإعلام وتوافقها مع التقاليد المحلية الخاصة، وتفهم الجهة التشريعية لهذه الثورة القضائية الإيجابية والفعالة، التي تهدف البحث عن مصالح الأطراف وفي أسرع وقت ممكن، وبأقل تكلفة

… ********************************



قائمة المراجع
ــ القران الكريم.
ــ الموسوعة الفقهية الكويتية.
ــ لسان العرب لابن منظور 2/ 516 - 517
ــ القانون المدني الجزائري
ـ قانون الإجراءات المدنية الجزائري القديم
ــقانون 08 - 09 المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية
ــ المرسوم رقم 09 - 100 المحدد لمهنة الوسيط القضائي
ــقانون رقم 90 - 02 مؤرخ في 6 فبراير سنة 1990 يتعلق بالوقاية من النزعات الجماعية في العمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب، معدل ومتتم
ــ دور القضاء في التحكيم رسالة ماجستير زهير عبد الله علي ال جابر القرني
ــمنازعات العمل في نطاق المؤسسة العمومية الاقتصادية- قوريشي بن شرقي: مذكرة لنيل شهادة الماجستير
ـــ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، ط1، القاهرة، دار النهضة العربية 5/ 513بند 347.
ــ محمود محمد هاشم، النظرية العامة للتحكيم في المواد المدنية والتجارية، د ط مصر دار الفكر العربي، 1990 ص، 1/ 26
ـــ ناريمان عبد القادر، اتفاق التحكيم وفق قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية ـرقم 27 سنة 1994، ط1، القاهرة دار النهضة العربية 1996
ــــ عبد الحميد الأحدب, التحكيم الدولي أحكامه ومصادره , ط 1 , لبنان بيروت مؤسسة نوفل ,1990
ـــ الفيروز بادي القاموس المحيط، ط 3 (مصر)، 1301 ه، 4/ 97.أحمد أبو الوفاء، عقد التحكيم وإجراءاته، ط2،مصر الإسكندرية، منشأة المعارف، 1974
ـــ أبو زيد رضوان، الأسس العامة في التحكيم التجاري الدولي، ط1 القاهرة، دار الفكر العربي 1981
ـــ عبد الفتاح مراد، شرح تشريعات التحكيم الداخلي والدولي، مصر 1996
ـــ د: محمود زناتى: نظم القانون الروماني.
الأستاذة ابتسام القرام المصطلحات القانونية في التشريع الجزائري
د: أحسن بوسقيعة المصالحة في المواد الجزائية بوجه عام وفي المادة الجمركية بوجه خاص ,الطبعة الأولى ,الديوان الوطني للأشغال التربوية ,2001.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
برشلوني
تمييز وتواصل


صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


مُساهمةموضوع: رد: مذكرة الطرق البديلة لفض النزاعات الصلح والوساطة القضائية والتحكيم   الأربعاء 1 أبريل - 0:44

شكرااااا لك اخي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مذكرة الطرق البديلة لفض النزاعات الصلح والوساطة القضائية والتحكيم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات ستار الجيريا :: القسم الدراسي :: التعليم التقني والجامعي :: الحقوق و الشؤون القانونية-
انتقل الى: