القانون الواجب التطبيق عند الإسناد لقانون دولة تتعدد فيها التشريعات طبقا للقانون الجزائري
شاطر | 
 

 القانون الواجب التطبيق عند الإسناد لقانون دولة تتعدد فيها التشريعات طبقا للقانون الجزائري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
SaNfOr
-


صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


مُساهمةموضوع: القانون الواجب التطبيق عند الإسناد لقانون دولة تتعدد فيها التشريعات طبقا للقانون الجزائري   الأحد 2 يونيو - 13:16


القانون الواجب التطبيق عند الإسناد لقانون دولة تتعدد فيها التشريعات
طبقا للقانون الجزائري
* محمد دمانة
* محمد عماد الدين عياض

أستاذان بكلية الحقوق بجامعة ورقلة
توطئة
تعتبر مسألة تحديد الشريعة الواجبة التطبيق عند الإسناد لقانون دولة
متعددة الشرائع (أو التشريعات على حد تعبير القانون المدني الجزائري) من
المسائل التي أثارت جدلا واسعا في فقه القانون الدولي الخاص.
وما يزيد
المسألة أهمية السعي الحثيث الذي يشهده المجتمع الدولي نحو تكريس حماية
حقوق الأقليات الدينية والعرقية في العالم، بما في ذلك حقها في اختيار
النظم التي تحفظ لها هويتها الخاصة. وهو ما قد يدفع نحو تكريس التعدد
الشرائعي في بعض دول العالم.
والتعدد على هذا النحو قد يكون تعددا شخصيا وقد يكون تعددا إقليميا:
فالتعدد
الشخصي (أو الطائفي) يكون في الدول ذات الانقسام الطائفي سواء بحسب
الديانة أو المذهب أو العرق، ويكون لكل طائفة شريعتها الخاصة بها كما هو
الحال في مصر ولبنان.
أما التعدد الإقليمي فينطبق على الدول المقسمة إلى
أقاليم بحيث يكون لكل إقليم منها شريعته الخاصة به كما هو الحال في
الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا وكندا.
ويترتب على هذا التعداد
إمكانية حصول تنازع داخلي بين القوانين، وهو بدوره قد يكون تنازعا شخصيا
(ديني أو مذهبي أو عرقي)، وقد يكون تنازعا إقليميا (فدراليا أو ناتجا عن ضم
الأقاليم). فإذا كان التنازع الدولي هو تنازع سيادات دول مختلفة فإن
التنازع الداخلي هو تنازع قوانين تنتمي إلى سيادة دولة واحدة[1].
فإذا
كانت قواعد الإسناد الوطنية تشير باختصاص قانون أجنبي لدولة تتعد فيها
الشرائع فالسؤال يثور عن الشريعة الداخلية التي يتعين تطبيقها على واقعة
الدعوى . وكيف يتسنى للقاضي اختيار هاته الشريعة من بين الشرائع المتعددة
التي يتضمنها هذا القانون ؟ .
في القوانين التي لم تحدد موقفا من هذه
المشكلة فإن الحل لديها يرتبط ارتباطا وثيقا بتفسير قاعدة الإسناد الوطنية،
إذ يتعين على القاضي الوطني أن يحدد المقصود بلفظ القانون الأجنبي عندما
يكون قانون دولة تتعدد فيها الشرائع[2].
أما المشرع الجزائري فقد عالج
المشكلة بموجب المادة 23 من القانون المدني، التي فوضت القانون الأجنبي
المختص في تعيين الشريعة الواجبة التطبيق متبنيا بذلك "قاعدة التفويض". إلا
أن النص الأصلي لهذه المادة لم يتطرق للحل المتبع عند استحالة إعمال قاعدة
التفويض مما أحدث فراغا تشريعيا استدعى تدخل المشرع لتتميم هذه المادة
بموجب القانون 05/10 المؤرخ في 20 يونيو 2005[3] متداركا بذلك هذا الفراغ.
وعليه سوف نتناول موقف المشرع الجزائري من هاته المسألة في فرعين:
الأول: نتناول فيه قاعدة التفويض حيث نبين موقف المشرع الجزائري المتبني لها وكذا نطاق تطبيقها.
الثاني: نتناول فيه الحل الذي تبناه المشرع الجزائري في حال استحالة إعمال قاعدة التفويض، وما قد يسجل على هذا الحل من ملاحظات
.


أولا- قاعدة التفويض
لقد
تبنى المشرع الجزائري قاعدة التفويض بموجب المادة 23 من القانون المدني،
ومع ذلك فإن نطاق تطبيق هذه القاعدة ظل محل جدل فقهي واسع. وهو ما سنقف
عنده تباعا:
تبني المشرع الجزائري لقاعدة التفويض:
تنص المادة 23 مدني جزائري في فقرتها الأولى على أنه: "متى ظهر من الأحكام
الواردة في المواد المتقدمة[4] أن القانون الواجب التطبيق هو قانون دولة
معينة تتعدد فيها التشريعات، فإن القانون الداخلي لتلك الدولة هو الذي يقرر
أي تشريع منها يجب تطبيقه".
وبذلك فقد حسم المشرع الجزائري هذه المسألة
عن طريق تفويض القانون الأجنبي المختص في أمر تعيين التشريع الداخلي
الواجب التطبيق. أي أن تحديد هذا التشريع متروك لقواعد الإسناد الداخلية في
الدولة الأجنبية المتعددة التشريعات. وهذا هو المقصود عند الفقه بقاعدة
التفويض.
ومن ثم يكون المشرع قد أخذ بالحل السائد في العديد من الأنظمة
القانونية، من بينها القانون المصري (المادة 26 مدني)، والسوري (المادة 28
مدني)، والعراقي(المادة 31/2 مدني)، والليبي (المادة 26 مدني) والإماراتي
(المادة 25 مدني)، كما أخذ به القانون الإسباني لسنة 1974 (المادة 12/5)،
والنمساوي لسنة 1979(المادة 5/3)، والبولوني لسنة 1926 (المادة 37) ومن
بعده قانون 1965 (المادة 5). وكذا القانون التشيكوسلوفاكي (المادة 33/3)
والبرتغالي لسنة 1966 (المادة 20)[5].
كما تبنى القضاء هذا الحل في بعض
الدول التي لم تعالج تشريعيا هذه المسألة. كما هو الحال في لبنان، حيث
انتهت الغرفة المدنية الأولى لمحكمة التمييز اللبنانية إلى أنه: "من
المبادئ العامة المقررة في القانون الدولي الخاص أن المحكمة الوطنية عندما
تكون مدعوة إلى تطبيق قانون بلد جنسية شخص فتجد نفسها أمام تعدد قوانين
داخلية في ذلك البلد ناتج عن نظامه السياسي كما هو الحال في الولايات
المتحدة الأمريكية. تختار من بين هذه القوانين الداخلية ما تفرضه قواعد
تنازع القوانين المطبقة هناك بحيث تكون القاعدة المعتمدة من قبل القاضي
الوطني لحل تنازع القوانين الداخلية في بلد أجنبي هي القاعدة المعمول بها
في ذلك البلد أي القاعدة الأجنبية."[6]
كما أيد أغلب الفقه قاعدة
التفويض. فمثلا يقول الأستاذ "ERIC AGOSTINI" بأن هذا الحل من شأنه توحيد
الحلول على المستوى الدولي فتكون الشريعة الداخلية المطبقة هي نفسها دائما
مهما كانت الجهة القضائية الناظرة في النزاع لأنها سوف تستعمل نفس
المعايير. ويضيف بأن الدولة الأجنبية قد أعطت لنفسها الحل للتنازع الداخلي.
فمن غير المعقول إذا أن يعطى لها حلا آخر مغايرا لأن التنازع الداخلي لا
يهم سواها وكان بإمكانها أن تقوم بتوحيد التشريعات الداخلية وحينئذ يفرض
هذا التوجيه نفسه على كل الدول.
كما أيد الأستاذ "NIBOYET" هذا
الحل حيث يرى بأنه لما يتقرر اختصاص قانون أجنبي في نظر فرنسا لحكم الأحوال
الشخصية للفرد، فإن هذا القانون هو الذي يملك من ثم سلطة تقدير كيفية
توزيع وطنييه على مختلف التشريعات الداخلية[7].
إلا أن ذلك لم
يمنع من وجود اتجاهات فقهية مخالفة، فمثلا يرى الأستاذ "AGO" أن: "القاضي
عليه أن يرجع إلى قواعد الإسناد في قانونه فهي التي تملك تحديد الشريعة
الداخلية التي يتعين عليه تطبيقها. ذلك أن قواعد الإسناد الوطنية لا تقتصر
على تحديد الدولة التي يتوجب تطبيق قانونها، بل يتكفل أيضا بشأن الأحكام
الموضوعية الداخلية في قانون هذه الدولة التي يجب تطبيقها على موضوع
النزاع". إلا أن هذا الرأي لم يلق تأييدا فقهيا كبيرا[8].
وقاعدة
التفويض بهذا المعنى أو "الإحالة الداخلية" كما يسميها البعض تختلف عن
مسألة الإحالة المعروفة في القانون الدولي الخاص. والتي نص المشرع الجزائري
صراحة في المادة 23 مكرر 1 مدني على استبعادها ما لم تكن الإحالة لصالحه
أي إحالة من الدرجة الأولى.
ففي الإحالة بمفهوم المادة 23 مكرر1 يثبت
الاختصاص لقانون دولة أجنبية ثم يتخلى هذا القانون عن الاختصاص المقرر
لمصلحته إلى قانون آخر، قانون القاضي أو غيره، وذلك بمقتضى قواعد الإسناد
الخاصة بالتنازع الدولي بين القوانين.
أما في التفويض أو الإحالة
الداخلية فإن القانون المختص لا يتخلى عن ولايته بحكم النزاع لقانون دولة
أخرى. كل ما في الأمر أن هذا القانون يركز اختصاصه في تشريع معين من
التشريعات الداخلية المتعددة التي يتضمنها. وذلك بمقتضى قواعد الإسناد
الداخلية الخاصة بالتنازع الداخلي بين القوانين[9].
2- نطاق تطبيق قاعدة التفويض:
إختلف
الفقه حول مجال تطبيق قاعدة التفويض لا سيما بشأن مسألتين، الأولى حول مدى
انصراف قاعدة التفويض إلى جميع صور التعدد التشريعي الشخصي والإقليمي.
والثانية حول مدى انطباق قاعدة التفويض على مختلف ضوابط الإسناد. وفوق ذلك
فإن صياغة المادة 23 مدني جزائري تثير التساؤل حول مدى تطبيق قاعدة التفويض
بالنسبة لمختلف صور القواعد القانونية من حيث مصدرها في القانون الأجنبي
الواجب التطبيق.
مدى انطباق قاعدة التفويض بالنسبة لصور التعدد الداخلي:
سبقت الإشارة إلى أن التعدد الداخلي قد يكون إقليميا وذلك في الدول التي
لكل إقليم من أقاليمها تشريع خاص به. وقد يكون التعدد طائفيا (شخصيا)
بالنسبة للدول ذات التعدد الطائفي حيث تخضع كل طائفة لتشريع خاص بها.
يرى
جانب من الفقه خصوصا في إيطاليا أن قاعدة التفويض يتحدد نطاقها بصور
التعدد الإقليمي دون التعدد الطائفي. وذلك بقصر مجال إعمال قاعدة التفويض
على الفروض التي تتعدد فيها التشريعات الداخلية في القانون الأجنبي المختص
تعددا إقليميا ففي هذه الحالة وحدها يتعين تفويض قواعد الإسناد الداخلية
التي يتضمنها القانون الأجنبي المختص في تعيين التشريع الداخلي الواجب
التطبيق.
أما إذا كان التعدد تعددا طائفيا فلا وجه لتفويض القانون
الأجنبي في فض مشكلة التنازع الداخلي مادام هذا القانون يتضمن تشريعا
إقليميا عاما[10].
وأساس هذا الرأي أن مهمة قاعدة الإسناد هي تعيين
شريعة إقليمية وليس من وظيفتها تحديد الشريعة الخاصة الواجبة التطبيق
فتعيين الشريعة الخاصة في هذه الحالة هو أمر يتعلق بتفسير القواعد
الموضوعية في القانون الأجنبي ولا شأن له بتفسير قاعدة الإسناد في قانون
القاضي.[11]
إلا أن هذا التوجه أخذ عليه أنه فرق دون مبرر بين
التعدد الإقليمي والتعدد الشخصي حين اعتبر وظيفة قاعدة الإسناد تنحصر في
تعيين التشريع الإقليمي الأجنبي دون التشريع الشخصي الواجب التطبيق. في
الوقت الذي لا تتعلق فيه التفرقة بركن أصلي من أركان النظرية العامة في فقه
القانون الدولي الخاص وإنما هي مسألة تتصل بصياغة قواعد الإسناد، واستقلال
كل دولة بتعيين مضمونها.[12]
كما أن الإطلاق والعموم الذي ورد به نص
المادة 26 من القانون المدني المصري حين لم يفرق بين نوعي التعدد جعل
القضاء والفقه الغالب في مصر يرى إعمال قاعدة التفويض سواء تعلق الأمر
بتعدد إقليمي أو شخصي[13].
ولا شك أن هذا الموقف الأخير ينطبق على
المادة 23 مدني جزائري التي جاءت مطلقة مما يفيد انصرافها إلى نوعي التعدد
التشريعي. بل إن هذا الرأي صار محسوما به صراحة في القانون الجزائري بعد
إضافة الفقرة الثانية للمادة 23 التي أوردت صراحة الحكم الواجب الاتباع
بالنسبة للتعدد الطائفي والتعدد الإقليمي إذا لم يوجد نص في القانون
الأجنبي الواجب التطبيق، مما يدل على أن حكم الفقرة الأولى من هذه المادة
المتضمنة قاعدة التفويض ينسحب على نوعي التعدد كلاهما أيضا.
ب- مدى انطباق قاعدة التفويض على مختلف ضوابط الإسناد:
رغم
استقرار الموقف بشأن اتساع نطاق تطبيق قاعدة التفويض ليشمل صورتي التعدد
الداخلي الإقليمي والشخصي إلا أنه قد اختلف مع ذلك حول مجال إعمال هذه
القاعدة بالنسبة لضوابط الإسناد، فهل يعمل بها أيا كان ضابط الإسناد الذي
يتم بموجبه تعيين قانون الدولة الأجنبية ذات التعدد التشريعي أم أن إعمالها
يقتصر فقط على الضابط الذي لا يسمح بحد ذاته بتعيين التشريع الداخلي
المختص؟.
في هذا الصدد استعرض الفقه مختلف ضوابط الإسناد ومدى ضرورة تطبيق قاعدة التفويض بشأنها على النحو التالي[14]:
- ضابط الجنسية:
يعتبر ضابط الجنسية هو الضابط الوحيد الذي لا يسمح بحد ذاته بتعيين
التشريع الداخلي الواجب التطبيق فيما لو تعددت التشريعات الداخلية في
القانون الأجنبي المختص، مما نشأ عنه إجماع فقهي –في مصر خصوصا- بشأن إعمال
قاعدة التفويض كلما كان القانون الأجنبي للدولة ذات التعدد التشريعي مختصا
بموجب هذا الضابط.
بل إن جانبا من الفقه المصري يذهب إلى حد قصر تطبيق
قاعدة التفويض على الأحوال التي يكون فيها ضابط الإسناد هو الجنسية. على
أساس أن إعمال ضوابط الإسناد الأخرى كفيل في ذاته بتعيين القواعد الموضوعية
بصفة مباشرة.
أما باقي الضوابط فهناك خلاف فقهي حولها على اعتبار أنها قادرة بحد ذاتها على تعيين الشريعة الداخلية المختصة كما سيتضح.
- ضابط الإرادة:
إذا كان ضابط الإسناد هو إرادة المتعاقدين[15] فلا خلاف بين الفقه في أن
هذا الضابط قادر على اختيار التشريع الداخلي الواجب التطبيق دون حاجة إلى
إعمال قاعدة التفويض، إلا أن سلامة هذا الحل يقتضي أن يتبين للقاضي أن
إرادة المتعاقدين قد اتجهت صراحة أو ضمنا إلى تطبيق تشريع داخلي معين من
بين التشريعات المتعددة في الدولة التي وقع اختيارهم على تطبيق قانونها.
لكن
ماذا لو اختار المتعاقدون قانون دولة تتعدد فيها التشريعات لكنهم سكتوا عن
تحديد الشريعة الداخلية المختصة ولم يستطع القاضي الكشف عن إرادتهم
الضمنية من خلال ظروف التعاقد وملابساته ؟.
يرى جانب من الفقه أنه في
هذه الحالة يجب تطبيق القانون الذي يحل محل قانون الإرادة في حكم العقد من
حيث الموضوع، أي يتعين الرجوع إلى ضوابط الإسناد الاحتياطية[16].
لكن
أخذ على هذا الرأي أنه يهدر كل أثر للإرادة التي ظهرت، إذ ليس من المعقول
تجاهل إرادة المتعاقدين في اختيار قانون دولة معينة بكل بساطة لمجرد أن
هؤلاء قد سكتوا عن تحديد التشريع الداخلي الواجب التطبيق.
من هنا يتجه
أغلب الفقه إلى إعمال قاعدة التفويض في هذه الحالة. فإذا أفصحت إرادة
المتعاقدين عن تطبيق قانون دولة معينة تتعدد فيها التشريعات ولم تكن هناك
إرادة صريحة أو ضمنية تحدد التشريع الداخلي الواجب التطبيق فحينها يفوض
قانون تلك الدولة لتعيين التشريع الداخلي المختص فيها[17].
أما إذا سكت
المتعاقدون تماما على الإفصاح عن إرادتهم في تعيين قانون الدولة الواجب
التطبيق وتعذر الكشف عن إرادتهم الضمنية فإنه يتعين الرجوع إلى القواعد
العامة في التنازع وذلك بإعمال ضوابط الإسناد الاحتياطية وفق ما نصت عليه
المادة 18 مدني جزائري ما دام قد تعذر الكشف عن ضابط الإرادة. على أنه إذا
ما أشارت هذه الضوابط الاحتياطية على قانون دولة تتعدد فيها التشريعات
فحينئذ تطبق قاعدة التفويض فيرجع إلى قواعد الإسناد الداخلية في هذه الدولة
الأجنبية لتحديد التشريع الداخلي المختص[18].
- الضوابط المكانية:
تتميز ضوابط الإسناد المكانية كالموطن أو مكان إبرام التصرف أو مكان وقوع
الفعل الضار أو النافع أو موقع المال بأنها قادرة بحد ذاتها على تعيين
التشريع الداخلي المختص إذ يراعى في تكوينها دائما أن تعين بذاتها المكان
الذي يتركز فيه الوضع القانوني دون حاجة إلى أي عنصر يستخدمه القانون
الواجب التطبيق. فإذا أضيف إلى تلك العناصر عنصرا من هذه العناصر أفسد
مفهومها وانحرف بها عن مقصود واضع قواعد الإسناد الوطنية. واستنادا إلى
كفاية الضوابط المكانية في تعيين التشريع الداخلي الواجب التطبيق ذهب جانب
من الفقه في مصر إلى استبعاد قاعدة التفويض بالنسبة لهذه الضوابط[19].
إلا
أن أغلب الفقه يرى بعدم استبعاد قاعدة التفويض بالنسبة لهذه الضوابط بناء
على أن نص المادة 26 مدني مصري (المقابلة للمادة 23/1 مدني جزائري) جاء
مطلقا لم يميز بين ضابط وآخر مما يقتضي تعميم الحل الذي تتضمنه على جميع
ضوابط الإسناد.
كما أن الضوابط المكانية –وإن أمكن تركيزها في مكان أو
آخر داخل الدولة مما يمكن معه التعرف على الاختصاص التشريعي الداخلي- إلا
أن استخدامها في هذه الغاية لا يدخل في حساب المشرع الوطني وهو يبني قاعدة
الإسناد الخاصة بالتنازع الدولي. إذ الغرض من هذه القاعدة هو بيان "قانون
الدولة" الواجب التطبيق، والمشرع يستخدم الضوابط الإقليمية لتركيز العلاقة
القانونية في دول من دول العالم وليس في وحدة إقليمية معينة داخل هذه
الدولة[20].
وهذا الرأي الأخير هو الذي يتماشى مع الإطلاق والعموم الذي
جاء به نص المادة 23/1 مدني جزائري، وبالتالي لا يهم نوع الضابط المعتمد
في تعيين الاختصاص لقانون الدولة المتعددة التشريعات. فقواعد الإسناد
الداخلية للدولة الأجنبية المتعددة التشريعات هي وحدها الكفيلة بتعيين
تشريعها الداخلي المختص مهما كان الضابط الذي تم بموجبه الإسناد.[21]
ج- مدى انطباق قاعدة التفويض بالنسبة لمختلف صور القواعد القانونية من حيث مصدرها في القانون الأجنبي الواجب التطبيق:
من خلال المادة 23 مدني جزائري نجد المشرع استعمل عبارة "دولة معينة تتعدد
فيها التشريعات" وليس "دولة معينة تتعدد فيها الشرائع" كما عبرت المادة 26
مدني مصري[22]. ولا شك أن ثمة فرقا بين "التشريع" و"الشريعة".
فـالتشريع
يقصد به مجموع القواعد القانونية المكتوبة التي تضعها السلطة العامة
المختصة بذلك في الدولة، وهو المصدر الرسمي الأصلي للقانون بموجب المادة
الأولى من القانون المدني. وله ثلاث أنواع، أساسي (الدستور) عادي (القوانين
عضوية كانت أم غير عضوية) وفرعي (اللوائح بأنواعها)[23].
أما الشريعة
في مفهوم المادة 26 مدني مصري فالواقع أنها تحمل معنى القانون - في معناه
العام- أي مجموع القواعد التي تنظم سلوك وعلاقات الأشخاص في المجتمع على
وجه ملزم، فمدلولها أوسع من التشريع فتشمل جميع القواعد القانونية مهما كان
مصدرها التشريع أو الدين أو العرف.
وعليه فإنه إذا أعملنا المعنى
الدقيق للتشريع في القانون المدني فإن ذلك يعني أن المشرع الجزائري لا
يعترف بالتعدد إلا إذا كان تعددا تشريعيا أي مجسدا في شكل نصوص قانونية
مكتوبة، فحينئذ فقط يطبق القاضي الجزائري التشريع الذي يحدده القانون
الداخلي لتلك الدولة.
أما إذا كان هذا التعدد غير مجسد في شكل نصوص
تشريعية مكتوبة فيبدوا أن المشرع الجزائري لا يعتد به، كأن تكون الشريعة
الداخلية التي يحددها القانون الأجنبي عرفا أو دينا أو مذهبا غير مكتوب
لطائفة أو إقليم معين. وهو ما من شأنه التضييق من نطاق تطبيق قاعدة
التفويض.
ويبدو أن المشرع - إذا صح هذا التفسير- يريد أن يسهل على
القاضي الوطني مهمة البحث في القانون الأجنبي نظرا لتعذر البحث في مختلف
الديانات والأعراف الأجنبية.
وإذا كان هذا هو موقف المشرع فإن ذلك
يستدعي التساؤل عن الحل المتبع إذا ما تم الإسناد لقانون دولة تتعدد فيها
الشرائع تعددا عرفيا أو دينيا ؟. في تقديرنا أنه ما دام لا يمكن إعمال
قاعدة التفويض في هذه الحالة فإن ذلك يقتضي تطبيق الفقرة الثانية من المادة
23 على النحو الذي سنبين لاحقا.


ثانيا- الحل عند استحالة إعمال قاعدة التفويض
إن إعمال قاعدة التعويض طبقا للفقرة الأولى من المادة 23 مدني
جزائري يفترض بداهة أن القانون الأجنبي الذي تتعدد فيه الشرائع يتضمن قواعد
إسناد خاصة لفض التنازع الداخلي. لكن ما هو الحل فيما لو لم يتضمن القانون
الداخلي للدولة الأجنبية أي قواعد من هذا النوع أو عجزت قواعد الإسناد
الداخلية التي يتضمنها عن حسم النزاع ؟
لقد ثار جدل فقهي واسع
بخصوص هذه المسألة. إلا أن المشرع الجزائري حسم أمره بموجب القانون 05/10
المؤرخ في 20 يونيو 2005 المعدل والمتمم للقانون المدني الذي تمم المادة 23
بفقرة ثانية نص فيها: "إذا لم يوجد في القانون المختص نص في هذا الشأن،
طبق التشريع الغالب في البلد في حالة التعدد الطائفي، أو التشريع المطبق في
عاصمة ذلك البلد في حالة التعدد الإقليمي".
يتضح من هذه الفقرة
أن الحل الذي تبناه المشرع الجزائري يختلف بحسب نوع التعدد التشريعي لدولة
القانون الأجنبي المختص. وذلك على النحو التالي:
في حال التعدد الطائفي:

إذا
كان القانون الواجب التطبيق هو قانون دولة معينة تتعدد فيها التشريعات
تعددا طائفيا أساسه دينيا كان أو مذهبيا أو عرقيا، ولم يتضمن هذا القانون
نصا خاصا يبين أي تشريع داخلي يجب تطبيقه فعلى القاضي أن يطبق التشريع
الغالب في ذلك البلد الأجنبي[24]. فمثلا إذا تعلق الأمر بدولة من دول
المشرق العربي فإن مدونات الأحوال الشخصية للمسلمين في تلك الدولة هي التي
تطبق باعتبار أغلب سكانها مسلمون.
إلا أن تطبيق التشريع الغالب في
الدولة المتعددة التشريعات مباشرة بمجرد عدم وجود نص لفض التنازع الداخلي
الطائفي في تلك الدولة قد لا يتفق مع روح النظام القانوني الواجب التطبيق
على العلاقة أو النزاع، ذلك أن كون التشريع غالبا في الدولة لا يبرر تعميمه
على جميع الطوائف بمجرد عدم وجود نص خاص بالتنازع الداخلي لتلك الدولة.
فالتعدد الطائفي يقوم على أسس واضحة هي الدين عادة بالإضافة إلى المذهب
والعرق أحيانا، مما يمكن معه للقاضي أن يطبق تشريع الطائفة التي ينتمي
إليها الشخص قبل أن يلجأ إلى التشريع الغالب في الدولة الذي يبقى حلا أخيرا
إذا تعذر الأول، خصوصا إذا كانت تلك الدولة تقر بهذا التعدد الطائفي
تشريعيا وكان بإمكان القاضي أن يتبين دين أو مذهب الشخص أو عرقه.
وبالتالي
نلاحظ أن المشرع أهدر في حال التعدد الطائفي إمكانية تطبيق التشريع
الداخلي بناء على الانتماء الطائفي للشخص إذا أمكن إثباته قبل اللجوء إلى
التشريع الغالب في البلد مما يعد إهدارا لروح المادة 23 التي أقرت لاحترام
الخصوصيات الشخصية المعتبرة قانونا للأفراد.
هذا ويجب التنبه إلى الفرض
الذي لا توجد فيه شريعة غالبة في دولة القانون الأجنبي المختص، ففي هذه
الحالة لا مناص أمام القاضي الجزائري إلا الوقوف على الانتماء الطائفي
للشخص، وهو أمر ميسور الوقوف عليه خصوصا إذا ما كان أساسه الدين[25].
في حال التعدد الإقليمي:
طبقا للفقرة الثانية من المادة 23 مدني جزائري فإنه إذا كان القانون
الواجب التطبيق هو قانون دولة معينة تتعدد فيها التشريعات تعددا إقليميا
ولم يتضمن هذا القانون نصا خاصا يبين أي تشريع داخلي يجب تطبيقه فعلى
القاضي أن يطبق التشريع المطبق في عاصمة ذلك البلد.
إذا فالمشرع
الجزائري تبنى الرأي القائل بتطبيق تشريع عاصمة الدولة المتعددة التشريعات
في هذه الحالة، وهو رأي أخذت به محكمة النقض المصرية في حكمها الصادر في
الأول من مايو 1958 وكان له أثر واضح على اتجاه محاكم الموضوع بعد ذلك نحو
تطبيق شريعة العاصمة في كافة الفروض التي تعجز فيها قواعد الإسناد الداخلية
في القانون الأجنبي الواجب التطبيق عن تحديد الشريعة الإقليمية المختصة
بحكم النزاع[26].
ولا شك أن هذا الحل الذي تبناه المشرع الجزائري يتسم
بالبساطة واليسر بالنسبة للقاضي أو بالنسبة لأطراف النزاع عند مساعدتهم
للمحكمة في إثبات مضمون القانون الأجنبي. إلا أنه حل لا يتجرد من الافتراض
والمجاز وكثيرا ما لا يعبر عن الواقع فلا يصح تطبيق قانون العاصمة حملا على
أنه الحل المناسب والملائم فقد لا يكون هو أكثر القوانين اتصالا بالعلاقة،
ولا أكثرها مناسبة لمعطيات النزاع، حددته الصدفة وساقه التصور والافتراض.
فالتحديد المسبق لشريعة العاصمة على هذا النحو هو اختيار عشوائي لا يتفق
دائما مع روح النظام القانوني الواجب تطبيقه على النزاع. فقد تنتفي كل صلة
بين قانون العاصمة والمسائل محل المنازعة، الأمر الذي قد يخل بتوقعات
الأطراف ويهدر الحكمة التي من أجلها قررت قواعد الإسناد[27].
إن هذه
الاعتبارات هي نفسها التي دفعت بعض الفقهاء إلى رفض حلول فقهية أخرى لهذه
المسألة من بينها الحل الذي يقضي بتطبيق شريعة الوحدة الإقليمية التي كان
بها آخر موطن للشخص قبل مغادرة الدولة التي يختص قانونها بحكم النزاع، أو
التي كان بها موطنه الأصلي، أو الحل الذي يقضي بالرجوع إلى قانون القاضي
عندما يتعذر الاهتداء إلى الشريعة الداخلية الواجبة التطبيق. إذ يعيب كافة
هذه الحلول أنها قد تؤدي إلى تطبيق شريعة موضوعية لم يعد لها صلة مباشرة
بالمسألة المعروضة. كما تنطوي على إهدار لروح قواعد الإسناد[28].
وفي
تقديرنا أنه كان جديرا بالمشرع الجزائري أن يتبنى حلولا ساقها الفقه هي
أكثر واقعية وتماشيا مع روح قواعد الإسناد في حال تعذر الوقوف على التشريع
الداخلي الواجب التطبيق في الدولة ذات التعدد التشريعي الإقليمي، و ذلك على
النحو التالي :
أ- في الحالات التي يكون فيها ضابط الإسناد في قانون القاضي من الضوابط المكانية
مثل ضابط موطن الشخص أو محل وجود المال أو مكان وقوع الفعل الضار أو
النافع ولم يوجد نص خاص يفض التنازع الداخلي فحينئذ على القاضي إعمال
الضابط مباشرة. فالضوابط المكانية كما أشرنا لها القدرة والكفاية الذاتية
على تعيين التشريع الداخلي الواجب التطبيق ولا شك أن تطبيق التشريع الداخلي
الذي يتحدد بمقتضى هذه الضوابط من شأنه تحقيق الغاية من عملية التفويض و
ذلك بتطبيق أكثر التشريعات الداخلية اتصالا بالعلاقة.
و كذلك الحال إذا
تعلق الإسناد بضابط الإرادة واختار المتعاقدون صراحة أو ضمنا التشريع
الداخلي الواجب التطبيق، فحينئذ يجب إعمال إرادة المتعاقدين إذا تعذر إعمال
قاعدة التفويض. بل وكما سبق البيان فان جانبا من الفقه يرى استبعاد قاعدة
التفويض أساسا إذا تعلق الأمر بضابط الإرادة أو ضابط مكاني نظرا لكفايتهما
في تحديد التشريع الداخلي المختص. مما يحتم الأخذ بهذا الحل من باب أولى
إذا تعذر إعمال قاعدة التفويض.
ب- في الحالات التي يكون فيها ضابط الإسناد في قانون القاضي هو جنسية الشخص
وتعذر إعمال قاعدة التفويض، فإن القانون الأنسب في نظر أغلب الفقهاء حينئذ
هو قانون موطن الشخص[29] فإن لم يكن له موطن تعين تطبيق تشريع الوحدة
الإقليمية التي يوجد بها محل إقامته. حيث يجد هذا الحل سنده في المبررات
التالية[30]:
- إن تشريع الموطن أو محل الإقامة هو أقرب القوانين لحكم
المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية بعد قانون الجنسية وذلك لكونه أكثر
القوانين اتصالا بالعلاقة إذا ما تعذر إعمال القانون الذي تحدد بمقتضى
جنسية الشخص.
- إن هذا الحل لا يمكن وصفه بالعرضي ولا يتوقف على الصدفة
كغيره من الحلول الأخرى ومنها تطبيق قانون العاصمة. بل إنه يترجم صلة
واقعية بين المنازعة المطروحة والقانون المطبق، ولذلك فإن هذا القانون
يتميز بكونه محصلة رابطة فعلية وحقيقية، كما أنه معروف سلفا للأطراف لا
يتغير بتغير المحكمة المرفوع أمامها النزاع.
- إن إعمال قانون الموطن لا
يعد تجاهلا لروح التشريع الجزائري القائم على نظام الجنسية في مسائل
الأحوال الشخصية ولا تضحية بقاعدة الإسناد القائلة بتطبيق قانون الجنسية،
فإعمال هذا الحل منوط بشرط أساسي هو تعذر تعيين التشريع الداخلي المختص في
قانون الجنسية المتعدد التشريعات.
- إن ما يدعم هذا الحل هو مسلك المشرع
الجزائري نفسه في مسائل شبيهة بهذه الحالة، فالمادة 22 مدني في فقرتها
الأخيرة تقضي بتطبيق قانون الموطن أو قانون محل الإقامة بالنسبة لعديمي
الجنسية. فالمشرع وضع قاعدة إسناد احتياطية تقضي بتطبيق قانون موطن الأشخاص
في الفروض التي يكون فيها هؤلاء عديمي الأهلية.
وقد اعترض بعض الشراح
في مصر على هذا الحل في الحالات التي يكون فيها موطن الشخص خارج الدولة
المتعددة التشريعات حيث يكون تطبيق قانون دولة الموطن حينئذ بناء على قواعد
الإسناد الداخلية في قانون الجنسية هو بمثابة أخذ بالإحالة وهو ما يرفضه
المشرع المصري مطلقا بموجب المادة 27 مدني. وكذا المشرع الجزائري بموجب
المادة 23 مكرر ما لم تكن الإحالة من الدرجة الأولى أي إحالة للقانون
الجزائري.
إلا أن أنصار الأخذ بقانون الموطن يبررون موقفهم بأن الرجوع
إلى قانون الموطن في الفروض السابقة بكون بناء على قاعدة إسناد احتياطية في
قانون القاضي وليس بمقتضى قواعد الإسناد الداخلية في قانون الجنسية المختص
في الأصل بحكم النزاع[31].
ونحن نرى أنه كان بإمكان المشرع الجزائري أن
يقصر تطبيق قانون عاصمة الدولة المتعددة التشريعات على الحالة التي يكون
فيها موطن الشخص خارج هذه الدولة باعتباره حلا أخيرا يتماشى مع موقف المشرع
من الإحالة. ما لم يكن هذا الشخص موطنه بالجزائر فحينئذ يطبق القانون
الجزائري باعتبار المشرع الجزائري يأخذ بالإحالة من الدرجة الأولى.
هذا
وتجدر الإشارة إلى أن القضاء المصري قد مال في بعض أحكامه لصالح قانون
الموطن إذا تعذر الكشف عن الشريعة الداخلية الواجبة التطبيق في قانون
الجنسية المختص، من ذلك ما قررته محكمة استئناف القاهرة في حكمها الصادر في
22 نوفمبر 1955 من أن عدم وجود قواعد للإسناد الداخلي في قانون دولة
الجنسية المختص بحكم النزاع من شأنه "عدم الاهتداء إلى قانون ينتمي له
الشخص بجنسيته مما يبرر معاملته كما لو كان عديم الجنسية، ولذلك يجب الرجوع
إلى قانون الموطن، وفي حالة عدم وجود الموطن إلى قانون البلد الذي يقيم
فيه"[32].
أخيرا فقد سبق القول أن المادة 23 مدني جزائري استعملت
مصطلح "تعدد التشريعات" وليس "تعدد الشرائع" مما يفسر على أن المشرع لا
يعتد بالتعدد إلا إذا تجسد في شكل تشريعات أي في شكل نصوص مكتوبة صادرة من
سلطة مختصة. وقوفا عند المعنى الدقيق للتشريع. أما إذا تجسد التعدد في شكل
قوانين عرفية أو دينية (بما في ذلك المذهبية) فإن المشرع لا يعتد به.
وحينئذ نتساءل عن الحل إذا ما أسند التطبيق لقانون دولة تتعدد فيها الشرائع
تعددا ليس تشريعيا وإنما عرفيا أو دينيا وهو فرض قد يحدث خصوصا بشأن
التعدد الطائفي؟
نرى اللجوء حينئذ إلى الفقرة الثانية من المادة 23 مدني
حيث لا مكان لإعمال قاعدة التفويض فيعتبر الوضع كأن لم يوجد نص يحدد
التشريع الداخلي الواجب التطبيق، مما يقتضي تطبيق التشريع الغالب في البلد
في حال التعدد الطائفي، وتشريع العاصمة في حال التعدد الإقليمي.


الخاتمة:
في
الختام لا بد من التنويه بالنقلة النوعية التي شهدتها أحكام القانون
الدولي الخاص في التشريع الجزائري عموما ومنها تلك المتعلقة بالإسناد
لقانون دولة تتعدد فيها التشريعات حيث حسم التعديل والتتميم الذي شهده
القانون المدني موقف المشرع من عدة مسائل أثارت جدلا فقهيا واسعا امتد أثره
إلى اجتهاد القضاء.
فبالنسبة لمسألة الإسناد لقانون دولة تتعدد فيها
الشرائع وإن كنا نثمن معالجة المشرع للفروض التي يتعذر فيها تحديد التشريع
الداخلي الواجب التطبيق، إلا أن ذلك لا يحول دون القول بأن المشرع قد جانب
الحلول المثلى لهذه المسألة حين قضى بتطبيق التشريع الغالب في البلد في حال
التعدد الطائفي، والتشريع المطبق في العاصمة في حال التعدد الإقليمي، وهي
حلول تبدو عشوائية افتراضية غير واقعية سلامتها رهن الصدفة، تستهدف تسهيل
مهمة القاضي الوطني على حساب روح قواعد الإسناد والحكمة التي أقرت لأجلها
وهي أن تخضع المنازعات والعلاقات للنظم القانونية الأكثر اتصالا بها.
وبناء على ما تقدم نقترح ما يلي:
1-
في حال التعدد الطائفي ولم يوجد نص يحدد التشريع الداخلي الواجب التطبيق،
نرى أن لا يتم اللجوء إلى التشريع الغالب في البلد إلا إذا تعذر إثبات
الانتماء الطائفي للشخص بناء على دينه أو مذهبه أو عرقه وهو أمر ميسور
الوقوف عليه خصوصا إذا كان الأساس الطائفي هو الدين.
فضلا عن أن هذا الحل يعالج الفرض الذي يتعذر فيه تحديد التشريع الغالب في البلد.
2-
في حال التعدد الإقليمي ولم يتضمن القانون الأجنبي المختص نصا بشأن
التشريع الداخلي الواجب التطبيق، فكان الأجدر بالمشرع أن يقضي بتطبيق قانون
الموطن أو محل الإقامة. لكن مادام المشرع قد تبنى تطبيق تشريع العاصمة،
فنرى أن يقتصر تطبيق تشريع العاصمة على الحالات التي لا يمكن معها تحديد
التشريع الداخلي مباشرة بناء على قاعدة الإسناد الجزائرية، وبالتحديد إذا
تعلق الإسناد بضابط الجنسية باعتباره لا يؤدي إلى تحديد التشريع الداخلي
المختص.
أما إذا تعلق الأمر بضوابط الإسناد المكانية أو ضابط الإرادة
عندما تحدد التشريع الداخلي المختص، فلا مجال لتطبيق تشريع العاصمة مادام
يمكن لهذه الضوابط أن تحسم مسألة التشريع الداخلي المختص.
3- بالنسبة
لاستخدام المادة 23 مصطلح "تعدد التشريعات" وليس "تعدد الشرائع" والذي يدل
في ظاهره أن المشرع لا يعتد بالتعدد إلا إذا كان مجسدا في شكل نصوص قانونية
مكتوبة، ومن ثم استبعاد التعدد إذا كان في شكل أعراف أو شرائع دينية. وهو
موقف شاذ من المشرع الجزائري مقارنة بباقي القوانين العربية على الأقل ضاق
معه نطاق إعمال قاعدة التفويض.
وفي هذه الحالة نرى اعتبار المسألة كما
لو تعذر تحديد التشريع الداخلي المختص مما يقتضي تطبيق الفقرة الثانية من
المادة 23. وإن كان يفضل أن يحمل مصطلح التشريع هنا على معنى الشريعة
تكريسا لروح قواعد الإسناد، خصوصا وأن التعدد الطائفي عادة ما يقوم على
أساس الدين أو المذهب وهي أسس غالبا ما تكون قواعدها مستقرة قد لا يتم
تجسيدها دائما في شكل تشريعات.


قائمة المراجع:
- د. اعراب بلقاسم، القانون الدولي الخاص الجزائري –تنازع القوانين - ، الزيتونة للإعلام والنشر.
- د. بديع سامي منصور، الوسيط في القانون الدولي الخاص ، دار العلوم العربية – بيروت، ط.1، 1994 .
- د. حبيب إبراهيم الخليلي، اللمدخل للعلوم القانونية – النظرية العامة للقانون - ، ديوان المطبوعات الجامعية، ط.4 ، 1993.
-
د. حفيظة السيد الحداد، الموجز في القانون الدولي الخاص، الكتاب الأول -
المبادئ العامة في تنازع القوانين. منشورات الحلبي الحقوقية. ط1. 2004.
- د. عكاشة محمد عبد العال، تنازع القوانين –دراسة مقارنة- ، دار المطبوعات الجامعية –الإسكندرية- ، 2002 .
- د. هشام علي صادق، القانون الدولي الخاص، الكتاب الثاني –تنازع القوانين- ، دار المطبوعات الجامعية- الإسكندرية- ، 2004 .
- الأمر رقم 75/85 المؤرخ في 20 رمضان 1935 الموافق لـ 26 سبتمبر 1975 المتضمن القانون المدني المعدل والمتمم.
------------------------
[1] - أتظر: د. بديع سامي منصور، الوسيط في القانون الدولي الخاص ، دار العلوم العربية – بيروت، ط.1، 1994 ، ص. 77.
[2]
- د. هشام علي صادق، القانون الدولي الخاص، الكتاب الثاني – تنازع
القوانين- ، دار المطبوعات الجامعية- الإسكندرية، 2004 ، ص.119.
[3] - جريدة رسمية عدد 44 لسنة 2005.
[4] - أي المواد المتعلقة بتنازع القوانين من حيث المكان إذا أسندت التطبيق إلى قانون دولة تتعدد فيها التشريعات.
[5] -د. عكاشة محمد عبد العال، تنازع القوانين –دراسة مقارنة- ، دار المطبوعات الجامعية –الإسكندرية- ، 2002 ، ص271.
[6]
- القرار 121 بتاريخ 03/07/1968، النشرة القضائية، 1969. ص 413. أشارت
إليه: - د. حفيظة السيد الحداد، الموجز في القانون الدولي الخاص، الكتاب
الأول - المبادئ العامة في تنازع القوانين. منشورات الحلبي الحقوقية. ط1.
2004. ص218.
[7] - أنظر: د. اعراب بلقاسم، القانون الدولي الخاص الجزائري –تنازع القوانين ، الزيتونة للإعلام والنشر، ص148.
[8] - نفس المرجع، ص 148. (هامش 49).
[9] - أنظر: د. حفيظة السيد الحداد، المرجع السابق، ص 219. و د. عكاشة محمد عبد العال، المرجع السابق، ص281.
[10] - د. هشام علي صادق، المرجع السابق، ص121.
[11] - نفس المرجع، ص122.
[12] - د. حفيظة السيد الحداد، المرجع السابق، ص 220.
[13] - أنظر: د. عكاشة محمد عبد العال، المرجع السابق، ص272 ، 273.
[14] - أنظر كلا من: د. هشام علي صادق، المرجع السابق، ص125 وما يليها. د. حفيظة السيد الحداد، المرجع السابق، ص224 وما يليها.
[15] - أنظر المادة 18 مدني جزائري المتعلقة بإسناد الالتزامات التعاقدية.
[16] - وهي طبقا للمادة 18 مدني جزائري: قانون الموطن المشترك أو الجنسية المشتركة. وفي حال عدم الإمكان يطبق قانون محل إبرام العقد.
[17] - حفيظة السيد الحداد، المرجع السابق، ص 226.
[18] - أنظر: د عكاشة محمد عبد العال، المرجع السابق، ص284.
[19] - أنظر: د. هشام علي صادق، المرجع السابق، ص128.
[20] - نفس المرجع ، ص128.
[21] - وهو ما يراه الدكتور: أعراب بلقاسم، المرجع السابق، ص 151.
[22] - وقد كانت المادة 23 مدني جزائري قبل تعديلها تستخدم عبارة " دولة معينة تتعدد فيها الأنظمة التشريعية" وهو تعبير غير دقيق.
[23]
-أنظر: د. حبيب إبراهيم الخليلي، اللمدخل للعلوم القانونية – النظرية
العامة للقانون - ، ديوان المطبوعات الجامعية، ط.4 ، 1993. ص93.
[24] -وهو نفسه موقف القانون الإمراتي بموجب المادة 25 من قانون المعاملات المدنية.
[25] - أنظر هذا الرأي: د. عكاشة محمد عبد العال، المرجع السابق، ص 292.
[26] - أنظر: د. حفيظة السيد الحداد، المرجع السابق، ص229.
[27] - د. عكاشة محمد عبد العال ، المرجع السابق ، ص 288. وفي نفس الاتجاه : د. هشام علي صادق، المرجع السابق، ص 131.
[28] - أنظر: د. حفيظة السيد الحداد، المرجع السابق، ص229 - 230.
[29] -وهو الموقف الذي تبناه قانون المعاملات المدنية الإمراتي في المادة 25 منه .
[30] - أنظر هذه المبررات: عكاشة محمد عبد العال، المرجع السابق، ص 290. (بتصرف حسب التشريع الجزائري).
[31] - أنظر: هشام علي صادق، المرجع السابق، ص 134.
[32] - د. هشام علي صادق، المرجع السابق، ص 135. وكذا: حفيظة الحداد، المرجع السابق، ص 233.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رشة ورد
-


صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


مُساهمةموضوع: رد: القانون الواجب التطبيق عند الإسناد لقانون دولة تتعدد فيها التشريعات طبقا للقانون الجزائري   الأحد 2 يونيو - 17:50

سلآم الله عليكـ’ـ’’’م

الله يعطيك العآفيه يآ الغلآ
رائع مآ وجدته هنآ
رأق لي أنتقآئك العذب
تسلم أنآملك
عظيم الأمتنآن ل روحك



كنتـ، هنآآآ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
القانون الواجب التطبيق عند الإسناد لقانون دولة تتعدد فيها التشريعات طبقا للقانون الجزائري
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات ستار الجيريا :: القسم الدراسي :: التعليم التقني والجامعي :: الحقوق و الشؤون القانونية-
انتقل الى: